مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 30/09/2012

مقام الأربعين

معالم الشام

مقام الأربعين في سفح قاسيون بدمشق


نتجه وإياكم نحو الشمال من مدينة دمشق، وفي أعلى جبل قاسيون نلمح قبة خضراء لها حكاية، فلننصت من ابن عساكر، رحمه الله، الذي قال عن دمشق:


( ... و لها جبل يقال له قاسيون فيه قتل ابن آدم أخاه، وقال: احترس فيه يحيى من رجل من قوم عاد، في الغار الذي تحت دم ابن آدم المقتول، وفيه احترس إلياس من ملك قومه، وفيه صلى إبراهيم ولوط وموسى وعيسى وأيوب.


ثم قال: أن مغارة الدم موضع الحمرة، وموضع الحوائج - يعني الدعاء فيها.


وقال: موضع الدم في الجبل موضع شريف، كان فيه يحيى بن زكريا وأمه أربعين عاماً، و صلى فيه عيسى بن مريم و الحواريون) .


ويذكر ياقوت الحموي جبل قاسيون قائلاً:


( .. قاسيون الجبل المشرف على مدينة دمشق، وفيه عدة مغاور وفيه آثار الأنبياء، وكهوف وهو جبل مقدس، فيه مغارة الدم التي قتل قابيل أخاه هابيل، ومغارة الجوع يزعمون أنه مات بها الأربعون نبيا).


 وقال ابن جبير:


( قرأنا في تاريخ ابن المعلى الأسدي، في أعلى الجبل كهف منسوب لآدم عليه السلام، وتحته في حضيض الجبل مغارة الجوع حيث يذكر أن سبعين نبيا ماتوا فيها جوعا ) .




وهكذا سكن أهل مدينة دمشق هذا الجبل قبل أن يسكنوا دمشق، أجيالاً وأجيال منذ أن سكن نبينا آدم عليه السلام إلى أن قام قابيل بقتل أخيه هابيل، ثم حمل جثته وسار بها نحو الغرب لأيام حتى تعلم من الغراب كيفية دفن أخيه، وفي منطقة الزبداني مقام يعتقد أنه قبر "النبي هابيل".


إذا هي حوادث تاريخية دينية تسكن تفاصيل هذا الجبل، ومن بعدها بدأت حكايات وقصص لا يُملّ من سماعها أبداً، ولكل حكاية عبر وعظات ...


فقد ورد في كتب التاريخ كيف فتح الجبل فاهه لفظاعة الجريمة (قتل قابيل لهابيل)، وإن تحت هذا المشهد من الدم كهف جبريل، والذي سمي بذلك بعد وفود الملائكة لتعزية سيدنا آدم عليه السلام.


وجغرافياً نقول:


في قاسيون سفح أعلى وأدنى يفصل بينهما نهر يزيد، الأعلى خال من الماء لا يوجد فيه إلا محلة دير مران، وأديرة قديمة مقدسة ومغارة الدم التي فيها وقعت أول جريمة بشرية، ومغارة الجوع وكهف جبريل، أما السفح الأدنى فهو ما كان على ضفة نهر يزيد.


فقد سكن الإنسان السفح الأعلى لغناه بالكهوف والمغاور، حيث كان الناس يسكنون المغاور والكهوف خوفا من الحيوانات المفترسة ودرءاً لحرارة الصيف وبرد الشتاء، و قبل ظهور حي الصالحية فقد كانت المعالم القديمة هي: مغارة الدم، التي كان لها مكانة مقدسة لهول المصاب فيها، ومحاريب الأربعين وخلوتهم في رأس الجبل، ومسجد الكهف والغار الذي فيه قبور الأربعين.


وتسمى بمغارة الجوع، لروايات في تسميتها: 


أولها أنها تضم رفات (أربعين من الصالحين) الذين أصابهم الجوع وكان لديهم رغيف واحد أخذ كل منهم يؤثر به صاحبه، حتى دار الرغيف على جميع ساكني المغارة من دون أن يأكله أحد منهم حتى ماتوا جميعاً جوعاً وبقي الرغيف، فسميت بمغارة الجوع.


ويقال: أيضاً أنه يعلو المغارة من الخارج أربعين محراباً، يرجعون إلى أنبياء ويقال: أنهم كانوا رجالاً صالحين أتوا وتعبدوا في هذا المكان، وعندما حوصروا من قبل جنود الملك، شق الله تعالى لهم الجبل فخرجوا تاركين في هذا الشق الصخري القائم إلى هذا اليوم.




وفي روايات أخرى يسمى المكان (مقام الأربعين) أو مغارة الأربعين، لأن سيدنا  يحيى بن زكريا أقام هو وأمه أربعين عاماً، وأن الحواريين الذين أتوها مع عيسى عليه السلام  كان عددهم أربعين، وقد أنشئ ضمن المسجد المحدث أربعين محراباً نسبة إلى تلك الروايات.


ومما سبق نرى أن المكان أصبح له صبغة دينية ، وصار من الأماكن المقدسة في دمشق  .


فلنقف على سفح قاسيون من جهة الغرب، وعيوننا تتجه نحو الشرق منه، عند برزة عند مقام إبراهيم عليه السلام الذي ظل يتأمل حتى أيقن أن لا إله إلا الله، ولنكثر من قول ( لا إله إلا الله) بقلب مفعم بالامتنان لله ففي ذلك انبعاث جديد لفطرة قد شابتها شوائب وعوائد الدهر لقول المصطفى عليه السلام: (خير ما قلت أنا و النبيون من قبلي لا اله إلا الله  ) .


المصادر و المراجع:


ـ تاريخ دمشق / ابن عساكر.


ـ ياقوت الحموي / معجم البلدان.


ـ القلائد الجوهرية / ابن طولون.