مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 30/05/2012

مسجد الأقصاب

مساجد الشام

جامع مسجد الأقصاب بدمشق



ويسمى (جامع السادات)


عمارة شارع الملك فيصل، قديم ومن المباني المملوكية


مسجد قديم ومشهور خارج باب السلام، يقع في المنطقة الممتدة من العمارة البرانية غرباً وشارع بغداد شمالاً، وحي باب توما شرقاً، وقد قيل أن للجامع عدة أسماء منها:


  • مسجد مز القصب أو جامع القصب:  قيل قد كانت المنطقة مليئة بغابات أعواد القصب قديماً.


  • مسجد رؤوس الصحابة الذين دفنوا في التربة المجاورة للجدار الشرقي للمئذنة عند رأس زقاق سطرا سنة 51هـ/671م وهم: حجر بن عدي الكندي، شريك بن شداد الحضرمي، صيفي بن فسيل الشيباني، قبيصة بن ضبيعة العبسي، محرز بن شهاب السعدي التميمي المنقري، كدام بن حيان العنزي، عبد الرحمن بن حسان العنزي.


  • جامع السادات الزينبية أو جامع السادات: نسبة لوجود رؤوس السادة الصحابة السبعة.


  • جامع منجك: نسبة إلى الأمير ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن منجك الذي أعاد ترميم وبناء الجامع، سنة 811هـ/1409م .

فلننصت لأقوال المؤرخين القدامى :


تخبرنا المصادر أن الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك العادل شقيق صلاح الدين الأيوبي، أمر ببناء هذا الجامع بجوار ضريح الصحابة السبعة رضي الله تعالى عنهم سنة 630هـ/1232م.



ثم جدد و وسع عندما أقيمت به أول جمعة سنة 721هـ/1321م، وجرى التجديد الكبير في سنة 811هـ/1409م حين قام الأمير ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن منجك بتجديد بنا الجامع، فهدمه، وأعاد بنائه ورفع جدرانه، وجدد مئذنته، ووسعه، ورفع سقف حرمه على غرار سقف الجامع الأموي الكبير، فيهما نوافذ من جميع الاتجاهات لدخول الضوء إلى حرم المسجد، وتم أيضاً تغيير شكل بنائه من طراز العمارة الأيوبية إلى طراز العمارة المملوكية. وتشير اللوحة الرخامية المثبتة على جدار الجامع من الجهة الشمالية إلى ذلك، ونصها:



"على يد الأمير ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن منجك الذي أمر بهدم المسجد القديم وإضافة الأراضي المجاورة إليه على الرغم من معارضة الفقهاء له". وقد تمت الزيادة المذكورة في الحرم وهي تلك الدعائم المربعة التي تخترقه من الغرب إلى الشرق، وهذه هي الزيادة الكبيرة في المسجد، ويمكن عدها عملية بناء جديدة له. و جدد المسجد سنة 854هـ/1450م كما تدل الكتابة المدونة عليه، ثم جدد ثانية سنة 900هـ/1495م.



قال ابن عساكر : في باب ما جاء في ذكر الأنهار المحتفرة سقي الزرع، أخذ يعدد القنوات داخل باب السلامة وبعد أن عدد داخل البلد قال: (أما في ظاهر البلد من القبلة : وقناة في طرف زقاق الرمان عند مسجد القصب) .



و قال النعيمي : (في باب المساجد ، ومسجد القصب ، ذكر أن ابن كثير قال : في يوم 13 جماد2 عام 721 هجري أقيمت صلاة الجمعة، وقال الأسدي في سنة 832 هجري، حضر الأمير ناصر الدين محمد منجك ترتيب وقف قد رتبه له).



ومن المؤرخين المتقدمين، قال الريحاوي: (ويسمى أيضا جامع السادات، جامع قديم جدده الأمير ناصر الدين منجك في عام 721 هجري، أهم شيئ فيه المحراب وما حوله من الفسيفساء الرخامية ومئذنته المربعة) .



وقال العلبي: (جامع قديم ومشهور خارج باب السلام، لايزال في حي مسجد الأقصاب بالطرف الشرقي لشارع الملك فيصل، على الطريق، يُعرف بجامع منجك نسبة لمجدده الأمير ناصر الدين وجامع مسجد القصب وجامع السادات لوجود سبعة من الصحابة فيه، منهم حجر بن عدي، كما يقول ابن عساكر، وهذه القبور على يمين الداخل، علماً بأن ابن عساكر نفسه ذكر في ترجمة حجر بن عدي أنه مدفون حيث قُتل في عذراء، وعلى قبره مسجد مشهور، ويُرجع "كارل" تاريخ صحن المسجد والأعمدة والأركان إلى عصور بيزنطية، ويقول إنه لابد أن الأعمدة ماتزال في مكانها الأصلي، منذ العهد البيزنطي، وهي جزء من أقواس الرواق الجنوبي الأوسط للكنيسة، وخلص إلى القول إنه لابد أن يكون الرواق الشمالي الجنوبي للكنيسة نفسها قابعاً تحت سوق الشارع الحالي، والأعمدة مغيّبة تحت أرضية الرواق الأمامي نفسه.



ويبدو أن المسجد جُدّد ووسع سنة 721هـ عندما أقيمت فيه أول جمعة، وقد وهم الدكتور ريحاوي عندما ذكر أن هذه الزيادة قد قام بها الأمير ناصر الدين بن منجك، وقد جرى التجديد الكبير فيه سنة 811هـ على يد الأمير ناصر الدين محمد بن ابراهيم بن منجك، صاحب الجامع المشهور في الميدان، الذي أمر بهدم المسجد القديم، وإضافة الأراضي المجاورة إليه، على الرغم من معارضة بعض الفقهاء في ذلك.



وقد تمت الزيادة المذكورة في الحرم وهي تلك الدعائم المربعة التي تخترقه من الغرب والشرق.


وهذه هي الزيادة الكبيرةُ في المسجد، ويصح أن نعدّها عملية بناء جديد له.



وقد جدّد المسجد سنة 854 هـ، كما تدل الكتابة المدونة عليه، ثم جدد ثانيةً سنة 900هـ.



وتضررت مئذنته في زلزال 1173هـ فأعيد بناء ما تلف منها، وفي سنة 1328هـ، كان فيه ثماني غرف أرضية يُقيم فيها ثمانيةُ طلاب.



وقد جرى إصلاح الصحن مؤخراً، وأصبح المسجد مركزاً لتحفيظ القرآن الكريم) .


نلخص القول في بناء الجامع بأنه بدأ كـ مصلى صغير بجانب مدفن الصحابة الكرام، ليصبح على مر العصور جامعا كبيراً شبيهاً بالجوامع الكبيرة في دمشق، فعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:



(ستكون دمشق أكثر المدن أبدالاً، وأكثرها زهاداً، وأكثرها مساجداً، هي لأهلها معقل، وأكثر المدن أهلاً وأكثرها مالاً ورجلاً).



الوصف التصويري للجامع:



ـ الجامع مستطيل الشكل ضلعه الطريل اتجاه القبلة، له واجهة من الحجر مبنية بمداميك سوداء وبيضاء، يتوسطها مدخل رئيسي يوجد على يمين الداخل منه مجموعة من الكتابات التأسيسية التي تشير إلى تاريخ بناء الجامع وتجديده، وإلى الغرب منها سبيل ما معقود. ويتوصل عبر هذا المدخل عبر عدة درجات وباب مستحدث مباشرة إلى صحن الجامع المحاط بأروقة من ثلاث جهات، أقدمها في الجهة الشمالية قائم على أربعة أعمدة من الحجر، لكل منها تاج عليه زخارف مختلفة، وفي غربي هذا الرواق وبشكل متاخم لقاعدة المئذنة غرفة أضرحة السادات الصحابة والتي كتب على واجهتها الداخلية آية قرآنية ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾.



يطل من جهاته الغربية والجنوبية والشرقية للخارج بنوافذ علوية مستطيلة الشكل مزينة بقطع الزجاج المعشق بألوان مختلفة. كما يتصل الحرم مع صحن الجامع من خلال خمس فتحات.



ويقع المحراب داخل صدر واسع عليه زخارف هندسية ونباتية منفذة بتصميمات متناظرة بأشكال مربعات ودوائر، مزينة بزخارف مختلفة الأشكال والألوان، ومنفذة بطريقة التنزيل على الألوان بالمواد التالية: مرمر أبيض، وبازلت أسود، ورخام سماقي أحمر داكن، وأصفر ترابي وأزرق، ثم قليل من الصدف. تتألف الخلفية من رخام وادي بردى ذي العروق الصفرا الضاربة للأحمر والبنفسجي. ويزنّر أسفل نصف قبة حنية المحراب شريط كتابي ضم آية الكرسي كاملة.



والمنبر خشبي جديد قائم على آخر قديم، وتقع المئذنة في الجهة الشمالية الغربية من الجامع بجوار التربة الأثرية حيث يطل بابها على الجهة الجنوبية من قاعدتها المربعة بأبعاد (3.88 × 3.88م) على صحن الجامع، ويبلغ ارتفاعها بد اً من مستوى صحن الجامع 38.5م. يصعد إلى أقسامها عبر درج حجري حلزوني. يزين جذع المئذنة من الخارج عدد من الأحزمة الحجرية الملونة والمتناوبة بلونيها الأسود والأبيض.



المئذنة مربعة الشكل بنوافذ توأمية ثلاثية الفصوص ضمن قوس مخموسة على واجهات المئذنة الأربع، ولها أعمدة وسطية حجرية مثمنة صغيرة، ويحمل العمود الغربي منها نصاً كتابياً منقولاً من شاهدة قبر عثماني مؤلف من ثلاثة أسطر تذكر اسم مصطفى آغا بن أحمد آغا وتاريخ سنة 1104هـ/1692م. ويحضن قوس النافذة الجنوبية وعلى مستوى القوسين منحوتة زخرفية دائرية الشكل كتب عليها :



﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتًهِ﴾ ويتابع الصعود إلى شرفة المؤذن بوساطة سلم حلزوني معدني، وبدءاً من هذه الشرفة يبدأ مسقط المئذنة المربعة بالتناقص؛ ليتحول مسقطها إلى المثمن، وتنتهي المئذنة بقلنسوة مخروطية، وتليها التفاحات والهلال ومانع الصواعق.



انتهت رحلتنا، إخوتي الكرام، فقفوا وتأملوا هذه الحجارة القديمة تشهد على ذاك الإنسان الذي مضى بعد أن ترك أثرا، ثم أطلقوا العنان بالدعاء لمن سبقونا في عمارة دمشق الشام، بعمارة الإنسان قبل عمارة الأرض، فاللهم اجزهم عنا خير جزاء. 


المصادر و المراجع :



ـ تاريخ دمشق | ابن عساكر



ـ الدارس في تاريخ المدارس | النعيمي



ـ خطط دمشق | أكرم العلبي



ـ العمارة العربية الإسلامية | عبد القادر الريحاوي