مميز
الكاتب: حسن البوطي
التاريخ: 13/04/2018

الفوائد العشر لصلاة الفجر في جماعة

مشاركات الزوار

الفوائد العشر لصلاة الفجر


في جماعة

جمعها وقدّم لها

الشيخ محمد نعيم العرقسوسي

جزاه الله خيراً ونفعنا به

قام بتفريغها الفقير إلى عفو ربه

حسن محمد توفيق رمضان البوطي

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:

فإنه لا يخفى ما للصلاة في الإسلام من شرفٍ رفيع ومنزلةٍ عالية ومكانةٍ سامية، ذاك أنها أول أركان الإسلام بعد الشهادتين، وأنها صلة ما بين العبد وربِّه، أنعم الله على عباده إذ فرضَها عليهم، فهي لهم تكليف وتشريف، إذا أقامها المؤمن على وجهها اللائق بها من خُشوعٍ وإخبات وتفكُّر وتدبُّر فإنه واجدٌ فيها راحة نفسه وطمأنينة قلبه، حيث يروي بها ظمأ فطرته، ويلبّي بها أشواق روحه في التعرض لنفحات خالقه وبارئه، ويتنعم بما فيها من بركات ورحمات، فينفتلُ المؤمن من صلاته وقد انشرح صدرُه واستنار قلبُه واستمدَّ دفقةً إيمانيةً وقوةً روحيّة، يستطيع أن يقاومَ بها الفِتن والمُغريات، ويتغلّبَ بها على الأهواء والشهوات، ويتحصّن بها من السقوط في حمأة الفحشاء والمنكر، ويتحلّى بها بالفضائل والكمالات.

ولما في هذه العبادة العظيمة من أسرارٍ وآثارٍ وحِكم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: )وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصَّلاة(. وكان إذا حَزَبَه أمرٌ فزعَ إلى الصلاة، ويقول لمؤذنه بلال رضي الله عنه: )يا بلال أقم الصلاة، أَرِحْنا بها(.

ومع ما للصلاة في ذاتها من هذا الأثر العظيم، فقد تميّزت بعض الصلوات الخمس بمزيدٍ من الخصائص، وتفرّدت بمزيدٍ من الأسرار والأنوار، ولعلّه لهذه المعاني قال الله تعالى: )حَافِظُوا عَلى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا لله قَانِتِين(. [سورة البقرة: 238]

وقد كثُرَتْ أقوال العلماء في تعيين هذه الصلاة الوسطى فمن قال هي الفجر، ومن قال هي العصر، ولسنا بسبيل ذكر الراجح من هذه الأقوال، وإنما الذي يعنينا أن نذكُر أن صلاة الفجر وخاصّةً في جماعة قد اختصّت بفوائد وأسرار وثمرات انفردت بها عن سائر الصلوات، وقد جاء ذكر هذه الفوائد صريحاً في أحاديث صحيحة وحسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إنَّ بعضها قد أشار الله تعالى إليها في القرآن الكريم كما سيأتي، ومن يطَّلع على هذه الفوائد الوافرة يجد أنّ واحدةً منها كافية في أن تستنهض همّة المؤمن وتحرِّك عزيمته، وتبعث نشاطه، وتحمله على هجر النوم والكسل، وترك الفراش الوثير والبيت الدافئ، لينطلق في لهفةٍ جامحة وحماسٍ كبير لتحصيل هذه الفوائد بأداء صلاة الفجر في المسجد في جماعة، فكيف إذا اجتمعت له هذه الفوائد كلها؟

فمن منّا لا يحرص على أن يكون في أمان الله وضمانه وعهده وذمّتِه يرعاه الله تعالى ويتولّى حمايته، وينتصر له ممن أراده بسوء؟!

ومَن منّا لا يحرص على أن يكون له النور التامّ يوم القيامة يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم؟

ومن ذاك الذي لا يهمُّه أن يكون بريئاً من النفاق براءةً تُنجيه من هول ذلك اليوم ومن سوء الحساب يوم القيامة؟

ومن ذاك الذي لا يَعْنيه أن يُحصِّل على غنيمة هي من أعظم غنائم الدنيا جميعاً؟

ومن ذاك الذي لا يجد في نفسه حُبّاً عظيماً وشوقاً شديداً للفوز برؤية الله تعالى يوم القيامة، وليدخل في عِداد من قال الله فيهم: )وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ( [سورة القيامة: 22-23].

ألا تستأهل كلّ واحدة من هذه الفوائد أن تجعلنا ننفض عنا غبار النوم والكسل ونسارع لاغتنام هذا الخير العظيم قبل انقضاء أعمارنا في هذه الدنيا الفانية؟ فكيف بها مُجتمعة؟

وستجد أخي المؤمن أن بعض هذه الفوائد لصلاة الفجر في جماعة تُشاركها فيها صلاة العصر وصلاة العشاء، لكنَّ صلاة الفجر انفردت باجتماع هذه الفوائد لها جميعاً.

أضف إلى هذه الفوائد ما لصلاة الجماعة مطلقاً من فضائل ومحاسن وأجر عظيم وخير عميم، سواء على الصعيد الشخصي للمؤمن أو على الصعيد الجماعي للأمة. وقد جمعتُ لك أخي المؤمن هذه الفوائد ورتّبتُها في هذه الرسالة رجاء أن تغتنمها وتنتفع بها، فتُزكّي بها عمرك، وتَعْمُرَ بها حياتك.

وقد ذكرتُ كلَّ فائدة من هذه الفوائد العشر، ثم أردفتُها بذكر الدليل عليها من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم مع بيان راويها ليطمئنّ قلبك إلى صحّتها وصِدقها.

وأنت أخي المؤمن إذا جاهدتَ نفسَكَ وهواكَ بضعة أيامٍ فقط، وهرعتَ إلى المسجد عند بُزُوغ الفجر والمؤذن يناديك: حيَّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح، الصلاة خيرٌ من النَّوم، فأدّيت هذه الصلاة المباركة مع جماعة المصلّين، فستجدُ لذلك حلاوةً ومُتعةً لا يُفصح عنها اللسان ولا يُعبّر عنها بالبيان، وإذا تذوّقت حلاوتها وتنعّمتَ بما فيها، فهل يُمكنُك بعد ذلك أن تستغنيَ عنها؟ إنك ستُصبح أشدّ حرصاً عليها واهتماماً بها ورغبةً فيها كلما مرّت بك الأيام وامتدّت بك الأعوام.

ثم إنَّ من كرم الله تعالى ومَنِّه وتفضّله وإحسانه وإنعامه أنك إذا انقطعتَ عنها بعد المداومة عليها لعارضٍ من مرضٍ أو سفر، فإن الله يكتب لك أجر شهودها كاملاً غير منقوص، مكافأةً لثباتِك عليها، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق حين قال: )إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له أجر ما كان يعمل مقيماً صحيحاً(.

وهذه الفوائد العشر لصلاة الفجر ليست خاصّة بالرجال دون النّساء، فالمرأة إذا صلّت الفجر على وقتها في بيتها ثم ذكرت الله تعالى حتى تطلع الشمس ثم صلّت ركعتين، كُتِبَت لها هذه الفوائد كلّها، ويكون لها ما للرجل إذا صلى في المسجد، وقد قال عليه الصلاة والسلام: )لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتُهُنَّ خيرٌ لهنّ(. رواه أحمد وأبو داوود

وختاماً:

اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، واجعلنا ممن يسارِعون إلى الخيرات ويسابقون إلى الطاعات والمكرُمات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ولِمثل هذا فليعمل العاملون، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

محمد نعيم العرقسوسي

الفوائد العشر لصلاة الفجر في جماعة

1 – الدخول في ذمة الله تعالى:

عن جُندُب بن عبد الله بن سفيان البَجَلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )مَن صلّى الصُّبحَ فَهو في ذِمَّة الله، فَلا يَطْلُبَنَّكُم الله مِن ذِمَّتِهِ بِشَيء، فإنه مَن يَطْلُبُه مِن ذِمَّتِه بِشَيءٍ يُدرِكُه، ثم يَكُبُّه على وجهه في نار جهنَّم( رواه أحمد وابن ماجة

ومعناه: أن من صلّى الصبح في جماعة فهو في ضمانة الله تعالى وأمانه وعهده وذمّته، فليس لأحد أن يتعرّض له بسوء. ومن نقض عهد الله تعالى فإن الله يطلبه للمؤاخذة بما فرّط في حقّه والقيام بعهده.

2- أجر قيام الليل:

عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )من صلَّى العِشَاء في جَمَاعةٍ فَكأنَّمَا قامَ نِصْفَ الليل، ومَن صلَّى الصُّبْحَ في جَماعةٍ فكأنَّما صلَّى الليلَّ كُلَّه(. رواه مسلم

3- براءة من النفاق:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )ليسَ صلاةٌ أثقلَ على المنافقين مِن الفجر والعشاء، وَلَو يَعلمون ما فيهما لأَتَوهُما ولو حَبْواً، ولقدْ هَمَمْتُ أن آمُرَ المؤذِّنَ فيُقيم، ثمَّ آخُذَ شُعَلاً من النار، فأُحرِّق على من لا يخرجُ إلى الصَّلاة بعدُ(. رواه البخاري ومسلم وأحمد

وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فقال: ((شاهدٌ فلان؟)) فقالوا: لا. فقال: ((شاهدٌ فلان؟)) فقالوا: لا. فقال: ((شاهدٌ فُلان؟)) فقالوا: لا. فقال: ((إنَّ هاتَين الصَّلاتين (يعني الفجر والعشاء) أثقلُ الصَّلواتِ على المُنافِقين، ولو تَعلَمون ما فِيهما لأتَيتُموهُما ولو حَبْواً على الرُّكَب)). رواه أحمد وأبو داوود

4- النور التام يوم القيامة:

عن بريدة الأسلمي رضي الل عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: )بَشِّرِ المَشَّائينَ في الظُّلَم إلى المَسَاجد بالنُّورِ التَّام يَومَ القِيامَة( رواه أبو داوود والترمذي

5- شهود الملائكة له، وثناؤهم عليه عند الله تعالى:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: )تَجْتَمِعُ ملائكةٌ الليلِ وملائكة النَّهار في صَلاةِ الفَجر( ثم قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: )وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(. [سورة الإسراء: 78]. رواه البخاري ومسلم

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )يتعاقَبُون فيكُم مَلائكةٌ بالليلِ وملائكةٌ بالنَّهار، ويَجْتَمِعُونَ في صلاةِ الفجرِ وصلاةِ العصر، ثمَّ يعرُجُ الّذين بَاتُوا فَيكُم، فيَسْأَلهُم رَبُّهُم وَهُوَ أَعْلَمُ بِهم: كَيْفَ تَركتُم عبادي؟ فيقولُون: تَركْناهُم وهُم يُصَلَّون وَأَتيناهُم وَهُم يُصَلُّون(. رواه البخاري ومسلم.

6- أجر حجّة وعمرة إذا ذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )من صلَّى الغَدَاة في جَماعةٍ، ثمَّ قَعَدَ يذكُرُ الله حتَّى تطلُعَ الشَّمس، ثُمَّ صلَّى رَكعَتين، كانتْ لهُ كَأجْرِ حجَّةٍ وعُمرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تامّة، تامّة، تامّة(. رواه الترمذي

7- غنيمة لا تعدلها غنائم الدنيا:

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثَ بعثاً قِبَل نجد، فغنموا غنائم كثيرة، فأسرعوا الرّجعة، فقال رجلٌ ممن لم يخرج: ما رأينا بعثاً أسرع رجعةً ولا أفضل غنيمةً من هذا البعث. فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: )ألا أدُلّكُم على قَومٍ أفضلَ غنيمةً وأسرعَ رجعة؟ قومٌ شَهِدوا صلاة الصُّبح ثَمَّ جَلسُوا يذكُرون الله حتّى طَلَعَت عليهم الشَّمس، فأولئكَ أَسْرَع رجعةً وأفضلُ غنيمة(. رواه الترمذي

8- اغتنام فضل سنة الفجر:

عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: )رَكْعَتا الفَجْر خيرٌ من الدُّنيا وَما فِيها( رواه مسلم. والمراد بهما ركعتا السنّة.

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لك يكن على شيء من النوافل أشدّ معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح. رواه مسلم

9- النجاة من النار والبشارة بدخول الجنة:

عن عمارة بن رُويبة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: )لَن يَلِجَ النارَ أحدٌ صلَّى قَبْل طُلُوعِ الشَّمسِ وقبل غُروبِها( يعني الفجر والعصر. رواه مسلم

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )مَن صلّى البَردَين دخل الجنة( رواه البخاري ومسلم. يعني الفجر والعصر.

وسميتا بَردين لأنهما تصليان في بَردَي النَّهار، أي طرفاه، حين يطيب الهواء.

10- الفوز برؤية الله تعالى يوم القيامة .. وهي أعظم الفوائد:

عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنت جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: )أمَا إّنَّكُم سَتَرَوْنَ ربَّكُم كما تَرونَ هذا القَمر، لا تُضامُّون في رؤيتِه، فإِن اسْتَطَعْتُم ألا تُغلَبُوا على صَلاةٍ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقَبْل غُروبِها فافعلوا( رواه البخاري ومسلم. يعني الفجر والعصر

* * * * *

وبالإضافة إلى هذه الفوائد النفيسة التي يحرص عليها كل مؤمن ويسعى إلى تحقيقها كل محب لله تعالى راغب في مرضاته، متلهفٍ إلى قُربه، فثمّة فوائد أُخرى عظيمة هي من ثمرات الاستيقاظ لصلاة الفجر، ومن فضائل صلاة الجماعة عموماً، وهي التالية:

1- التخلّص من عُقد الشيطان وكسل النفس وخُبثها

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: ((يَعْقُدُ الشَّيطانُ على قَافِية رأسِ أَحَدِكُم إذا هو نام ثلاثَ عُقَد، يضربُ على مكان كل عُقدة: عليك ليلٌ طويل فارقُدْ. فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلّت عُقدة، فإن توضأ انحلّت عقدة، فإن صلّى انحلّت عُقَدَهُ كلُّها، وأصبحَ نشيطاً طيِّبَ النَّفْس، وإلّا أَصبَحَ خبيثَ النَّفْسِ كسلان)) رواه البخاري ومسلم.

2- مضاعفة الأجر على صلاته وحده:

عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صلاةُ الرَّجلِ في الجَماعةِ تزيدُ على صَلاتِهِ وحده سَبْعاً وعِشْرين دَرَجة)) رواه البخاري ومسلم

3- أجرٌ كأجر الحاجّ المُحرم:

عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن مَشى إلى صلاةٍ مكتوبة وهو مُتَطَهِّر كان له كأجرِ الحاجِّ المُحرِم)) رواه أحمد وأبو داوود

4- التنعّم بظلّ العرش يوم القيامة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سبعةٌ يُظِلُّهُم الله في ظِلِّه يَوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه: الإمامُ العادل، وشَابٌّ نشأ في عِبَادةِ الله، ورَجُلٌ قَلبَهُ مُتعلِّقٌ بالمَساجِد ....)) إلى آخر الحديث. رواه البخاري ومسلم وأحمد

قال النووي في معنى قلبه متعلق بالمسجد: أي شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها، وليس معناه دوام الجلوس في المسجد.

5- نزل في الجنة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه

تحميل