مميز
الكاتب: أ.د.نور الدين العتر
التاريخ: 14/05/2014

أحكام عمل المرأة وكسبها

بحوث ودراسات

أيها الاخوة:

فإنا إذا تأملنا آيات القرآن الكريم نجد أنها تتواتر تواتراً عجيباً في بيان كرامة الإنسان، وليس مجرد حقوق الإنسان، فإنه ابتداءً من التنْزيل الأول للوحي

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾ [العلق : 1ـ5]

يشعر الناظر بالقرآن بكرامة الإنسان كرامةً محفوفة بتعهد ربه الأكرم، وإمداده إياه بأعظم كرامة هي العلم. ونقرأ قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء/70]

فنعلم منها تأكيد كرامة الإنسان عند الله، ونتابع لنجد الكثير الكثير من آيات القرآن تعلن كرامة الإنسان مما لا نطيل به في هذا التمهيد.

فإذا انتقلنا إلى قضايا المرأة لتطبيق حقوق الإنسان، على الرغم من قصور الإعلان عن حقوق الإنسان الذي أصدرته الأمم المتحدة، فإننا نجد إشكالات عظيمة في شأن المرأة، لا سيما ما يتصل بالمحاولات لإخراج المرأة إلى ميادين العمل، الأمر الذي يجعل الحاجة إلى بحث عمل المرأة وكسبها في ضوء الإسلام ضرورة ماسة.

لقد ظهر الفساد في البر والبحر، وعم البلاء في أرجاء الأرض، مما ينذر بأعظم الخطر على بني البشر، لانطلاق أكثر الأمم في هذا المجال الحساس دون مراعاة البدهيّات الضرورية لسلامة المجتمع وسلامة الأسرة، ولحفظ القيم الأخلاقية الضرورية، بل ولاستقامة أمر الاقتصاد، الذي هو أقوى ما يتذرع به دعاة خروج المرأة للعمل.

ومرادنا بالعمل هنا معنى محدد يجب أن نَتَنبَّهَ له وهو المعنى الاقتصادي: وهو الجهد المبذول لأجل تحصيل منفعة سواء أكان هذا الجهد بدنياً أم عقلياً أم بدنياً وعقلياً في آن واحد.

أسس ينطلق منها البحث:

ويجب على من يدرس هذا الموضوع في هذه الشريعة الإسلامية أن يلحظ الأسس التي يجب أن ينطلق منها ويبني عليها حكمه في المسألة؛ مسألة عمل المرأة واختلاطها وحجابها.

ومن أهم هذه الأسس أصلان:

الأصل الأول: التمييز بين حق المرأة في أن تعمل وبين الإيجاب والإلزام عليها أن تعمل لكسب المال.

ما أكثر ما يخلط الباحثون ولا سيما المقلدون للأجانب بين حق المرأة في أن تعمل وإلزامها بأن تعمل بطريق مباشر أو بطريق غير مباشر، يتحدثون عن حق المرأة في العمل، فإذا تابعتَ كلامهم تجد أنهم يُلْجِئون المرأة، ويودون إجبار المرأة على العمل، وذلك لأنهم يقلدون الأجانب تقليداً أعمىً، دون تَنَبُّهٍ إلى ما يجب أن يُعلم في هذا الأمر.

وعمل المرأة عند الأجانب لإعالة نفسها واجب عليها متى وصلت سن البلوغ مهما كان الأب غنياً موسراً، فحُرِم غير المسلمين من نظام النفقة الواجبة التي جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين عليه الصلاة والسلام، هذا النظام نظام عظيم جداً يرعى حقوق الإنسانية وهو بحاجة إلى بحث مفرد لذلك أكتفي بالإشارة إليه.

فمثلاً لا يلزم عند غير المسلمين الأب أن ينفق على الابن والبنت (وموضوعنا البنت بالذات) إذا بلغت، ولذلك يطردون الأولاد إلا أن يعمل الولد أو البنت ويدفعا أجرة البيت الذي يسكن أحدهما فيه مع أهله (مع أبويه)، وقيمة نفقة المعيشة، وبالتالي نجد أن الأبناء أيضا يعاملون آباءهم بالمثل، لانعدام نظام النفقة الواجبة، فيكبر الأبوان أو أحدهما (فيبلغ عنده الكبر أحد أبويه أو كلاهما). والابن يملك مال قارون وهما عاجزان عن الكسب فقيران معدمان، ثم لا يمد ولدهما إليهما يد المعونة، لا بقليل ولا بكثير، فتحجرت القلوب وساءت العلاقات نتيجة فقدان هذا القانون.

أما الإسلام فقد كرم المرأة تكريماً لا يوجد في أي نظام سواه، ورحم ضعفها أن تجبر على خوض غمار الحياة، تقديراً لمهمتها، وهي صنع المجتمع، بتربية النشء على قيم الأمومة الإنسانية، التي هي ضرورية لنشأة الإنسان سوي الأخلاق، سوي النفس، مستقيم التفكير، سليم البنية،[1] فهي إذاً مصدر للتنمية بأنواعها الاجتماعية والخلقية والاقتصادية، لذلك لم يفرض عليها أن تعمل لكسب المال، بل ألزم نفقتها على أبيها، أو ابنها أو زوجها، ممن تلزمه نفقتها، كما هو مفصل في باب النفقات في كتب الفقه، وبالتالي فإنه لا يجوز للأب أن يلزم ابنته أن تعمل لكسب المال، إلا إذا كان فقيراً، ولا يجوز للزوج أن يلزم امرأته أن تعمل لكسب المال. وهكذا تتمتع المرأة في الإسلام بحظ أكبر من حظ الرجل، كما أن الشرع الإسلامي كفل حماية المرأة أن تكون مَهينةً مبتذلةً تحمل هم العيش والكد لكسب لقمة الغذاء، لكي تتوفر على هذه الْمُهِمَّة

الأصل الثاني في هذا الموضوع :

هو التمييز بين نظام المجتمع الإسلامي ونظام المجتمع عند غير المسلمين، وذلك بخصوص الصلة بين الجنسين الرجال والنساء :

نظام المجتمع في الإسلام يلزم احترام فصل الجنسين عن بعضهما ومراعاة ذلك، وأن تتقيد صلتهما في غير القرابة المحرمة للزواج وغير حال الزوجية.

أما نظام المجتمع غير المسلم فلم يتقيد بشيء من ذلك، ثم اضطر الرجلُ المرأةَ وأجبرها أن تخرج لتكسب عيشها إذ نكَل عن إعالتها والإنفاق عليها فاضطرت للخروج إلى العمل، وهناك ابتزها الرجل غير المسلم أسوأ ابتزاز اقتصادي بالظلم في بخس الأجر وزيادة العمل في معظم الأحيان على عمل الرجل، وابتزها أحط وأدنى ابتزاز جنسي إذ وجدها مضطرة للعمل جاءت إليه فريسة تسعى. ولقد أنتج تَنَكُّرُ هؤلاء الناس لهداية الله وجحودهم لحتمية الفطرة التي فطر الله الناس عليها أخطاراً عظيمة في شتى مجالات الحياة.

حكم عمل المرأة في الإسلام وتصحيح خطأ المشددين:

من هذه المقدمات يمكننا أن ننتقل إلى بيان حكم الشرع الإسلامي الإلهي في خروج المرأة للعمل. إن أساس هذا الحكم ينبني على القاعدة التي أرساها القرآن الكريم في قوله عزّ وجل:

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:33] فهذا الخطاب بلفظه لأمهات المؤمنين رضوان الله تعالى عليهن، ولكن المفسرين اتفقوا على أن حكمه عام، وهذا شيء واضح بدلالة النص؛ لأن أمهات المؤمنين يحتجن إلى الاحتكاك بالمجتمع لتعليم النساء أمور دينهن وما يخصهن من أحكام، فحاجة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام أن تخالط الناس والنساء بالذات ماسة جداً؛ لأن لها مهمة في الحياة هي إبلاغ الرسالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك قيل لهن: " قَرْنَ في بيوتكن" فكيف غيرهن، إذن لا مجال لادعاء الخصوصية أبداً في هذا الموضوع. هذا الادعاء خلاف ما توجبه قواعد الفقه وأصول الشرع، وهو يعني أن تتفرغ المرأة لوظيفة الأمومة، ولمؤازرة الرجل، بأداء النصف الداخلي من أعباء الحياة، وهو الهدف الذي يجب أن تبذل المرأة لأجله كل ما في وسعها.

فإذا أرادت المرأة أن تعمل وجاءت تستفتي نقول لها:

يجب أن نقسم العمل الذي تريدين القيام به إلى قسمين رئيسيين (وهذا التقسيم لم أجد من تنبه له من الكاتبين الإسلاميين حتى الذين كتبوا على أساس اختصاص الفقه) هذا التقسيم أول شيء لازم في هذا الموضوع، وهو مهم لتبين دور المرأة القوي في المجتمع والاقتصاد، ولتصحيح خطأ من يظنون منع المرأة من العمل مطلقاً:

القسم الأول: من هذه الأعمال، الأعمال التي تمس الحاجة فيها إلى المرأة خاصة، مثل: التوليد، الطب البدني العام للنساء، طبابة الأمراض النسائية الخاصة بالنساء، طب الأسنان، أو تدريب على مهن يمكن أن تعمل فيها المرأة دون اختلاط تحتاج إلى تدريب، (مثل: الحاسوب، التريكو، الآلة الكاتبة، القبالة، بعض معالجات وإسعافات في المنْزل...) فنخرج لهن مدربات من النساء يغْنِين البنات عن التعلم من الرجال والاختلاط بالرجال.

وهذا النوع من العمل واجب على المرأة المسلمة وجوباً كفائياً، طبقاً للقاعدة: أن ما تمس إليه حاجة المجتمع يجب تغطيته على أبناء المجتمع، وهو هنا النساء وجوباً كفائياً، بحيث إذا نقص العدد الموجود من العاملات في أي مرفق يكون المجتمع آثماً كله، ويجب على ولي الأمر أن يتدبر النقص بتجنيد نساء، يعملن في هذا الحقل، ويسددن الفراغ الحاصل بذلك، وهذا مجال مهم يجب أن ننتبه له.

لقراءة البحث كاملاً من خلال تحميل الملف أدناه

تحميل