مميز

الفتوى رقم #53228

التاريخ: 02/08/2015
المفتي: الشيخ محمد الفحام

ما خلقك لِيُشْقِيَكَ

التصنيف: العقيدة والمذاهب الفكرية

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عندما يدخل أهل النار النار هل لهم أن يعترضوا أن لماذا خلق الله الدنيا وأوجدهم فيها أساسا وبالتالي هم عصوا الله ودخلوا النار لو أني لم أخلق أساسا أما كان هذا أهون علي وهل جواب كل هذا قوله تعال "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" استغفر الله العظيم واشهد الله ما خطت يدي أعلاه عن سابقة كبر و لا عناد ولكن هي مجرد أسئلة تخطر على بالي واحتار في أن أجد لها جوابا و أخاف على نفسي إن لم أجد لها جوابا أن ينتشل الشيطان مني إيماني ويهوي بي في الدرك الأسفل أريحوني جزاكم الله كل خير

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته؛ أخي الطيِّب؛ لعلَّ الجماليَّة التي لم تنتبه إليها هي الحكمة من خلق العبد, وأنَّ القضية بين عبدٍ وربٍّ, بين مخلوق وخالق, بين مملوك ومالك, فلا قياس أصلا, لأنه ههنا باطل, والمثال من الواقع يقول: لو اعترضَ عليك معترضٌ لتصرفك الحر فيما تملك لا اتُّهِمَ بالجنون فكيف لو اعترض على المالك الحقِّ رب العالمين, ومع هذا لا يقفنَّ الذائق المتجرد باعتراض ما وهو يعلم أنَّ الحكمةَ مِن إيجاده هي التعريف والتشريف, وأنَّ جوهر السعادة ليس بقيد الدنيا التي لم تُجعل دارَ مَقَرٍّ, وأنَّ أمرَ السعادة كامِنٌ في سعادة القلب لا القالب نعم القلبُ الذي جعله الله تعالى موضع سره لندرك حكمته, فالعارف ربَّه هو السعيد والجاهل هو الشقي. إنه نورٌ وَقَرَ في القلب فصدَّقه العمل مظاهر التوفيق فيه صالحُ العمل وبركةُ العطاء, فكم من مُصلٍّ ليس له من صلاته إلا التعب بشعوره بالعناء لأنه صلى للإسقاط لا للإسعاد, وفرقٌ كبير بين من يصلي ضريبةً, وبين من يقيمها تأدبا وشهوداً للآمر تأمَّلْ معي بيان الله تعالى: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ*الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) تجد أنهم يتطلعون إلى لقائه ولما يرحلوا إلى الدار الآخرة, فهل تدبَّرْنا سِرَّ تَطلُّعهم هذا؟ أليس لأنهم ذاقوا طعم السعادة من الداخل فلم يهمَّهم إلا لقاؤه على تمام الرضى, من أجل هذا تجد الربانيين يتغنَّون بمثل تلك السعادة؛ يقول قائلهم: ومما زادني شرفاً وتِيهاً وكِدْتُ بأَخْمَصِي أطأُ الثُّريا دخولي تحت قولكَ يا عبا دي وأنْ صيَّرْتَ أحمدَ لي نبياً كم من فقير خِلْوٍ من الدرهم والدينار غنيٌّ بالله وهو أسعدُ الناس, وكم مِنْ مليءٍ وجيهٍ وَجاهةَ الدنيا غنيٌّ بماله وهو أتعس الناس, من هنا يأتي غنى النفس ثمرةَ المعرفة السليمة أنَّ الله تعالى لما خلقه مِن أَجْلِهِ وهو مستغنٍ عنه, إنما أراد كرامته وسعادته. خذ الآن أجلى شاهد جلّاه البيانُ الإلهي للسيدة آسية زوجة فرعون امرأةٌ كانت ملكة ًكثيرة المال عظيمة الجاه ظاهرة الثراء تتقلب في دوحات الرخاء, جواريها مِن حولها جميلات بهيَّات, وجداولُ النيل من تحتها جاريات, لما عرفتْ ربها عَلِمَتْ أنَّ كلَّ ما حولها مِن مظاهرِ السعادةِ زائفٌ لكونه عرضاً زائلاً, وظلًّا من الدنيا قليلاً لا يعتمده إلا كلُّ واهم, فآمنت إيمانَها البكر مجسدةً عظيمَ فهمِها عن الله وعُمق غوصِها في معاني ما أُمْلِيَ عليها من كلامِ الله تعالى بلسان الكليم عليه السلام بتفاعلٍ أَدْهَشَ عقولَ ذوي الألباب ليُسَطِّرَ في النهاية آياتٍ يُتَقربُ بها إلى الله تعالى, أجل! آمنت إيماناً أخرجَها عن كلِّ ما كانت عليه من مظاهر السعادة والنعيم الظاهِرَيْن ليُدْخِلَها في بلاء شديد تَرجمَ مظهراً من التَّعاسة في جحيم العذاب المبين على يد زوجها فرعون مدعي الربوبية فقد تولى تعذيبها بنفسه, كان لا يغادرها إلا إذا كلَّ أو ملَّ, فكان إذا قال لها ارتدِّي _أي عن دين الله تعالى_ تقول له: إنك تَغْلِبُ نفسي وقلبي في عصمة ربي, لو قطَّعتني إرباً لم أزدد إلا حباً. فمرَّ سيدُنا موسى عليه السلام بين يديها فنادت يا موسى أخبرني راض عني ربي أو ساخط ؟ فيقول سيدنا موسى عليه السلام: يا آسية ملائكة السموات بانتظارك _أي مشتاقة إليك_ والله يباهي بك فاسألي حاجتك فإنها مقضية, فتقول: (رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وهنا السؤال تُرى ما وجهُ ذلك الطَّلبِ؟؟ أن ترجوَ ربها قُرْبَه بالعندية قبل الجنة أقول: الجواب في رحاب مَن ذاق طعمَ المعرفة فتقلَّب في رياضها الأنسية ثم لم يعدْ له مطلبٌ سوى الرضى بما قضى لِعِلْمِه حِكْمَةَ خلقِ الله تعالى عبادَه تدبر معي قوله تعالى: (مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيما) فلما كان أمرُ المعرفة محبوبَ الحقِّ سبحانه كان شكرُه للمتبصر تلك الحقيقةَ بما هو أهله, فقد جعل منطلق اليسر في ذلك الفطرةَ السليمة الهادية المشعرة بالعهد القديم, والفضل العميم أنك تحبُّه سبحانه وتأبى البعدَ عنه أو الخروجَ عن دائرة رحمته. هي نِعمةٌ أقبلَ بها عليك, وجعل سبيلها بين يديك, وأيَّدك بآلة فهمها, فخبرني بربك ترى ماذا يقول العقل لو أدبرت وقد أقبل عليك, أو أعرضت وقد حَلُمَ عليك فلم يُعَجِّلْ لك العقوبة وأنت مملوكُه على الحقيقة, أو أدبرت وقد أحسن إليك؟ فما قولُك لو أقبل مخلوق على مخلوق مثلِه بالإنعام والإحسان فقابله بالجحود والنكران؟؟ ألا فَطِبْ نفساً بأنه ما خلقك لِيُشْقِيَكَ بل لِيُعَرِّفَكَ ويُشرِّفَكَ فالأدبَ الأدبَ لنيل الأرب, ثم دع عنك مالم تطالب به فهو تكلُّف من غير تكليف, وغيِّب عنك تلك الأوهامَ مِن أنَّ أهلَ النار سيعترضون بكذا وكذا, لاسيما وأنك ما زلت في هذه الدار, ثم احرص على أنْ لا تكون من أهلها, , دع الخلقَ للخالق فهو أرحم وأعلم, وسلِ الله العفو والعافية ورحم الله امرأً عرف حدَّهُ فوقف عنده ولم يتعدَّه. وفقك الله تعالى إلى السبيل الأوفى لمعرفة مقام العبودية الخالصة فإنها مصدر السعادة الأبدية, ومنطلق الوصول إلى المقامات العلية. لا تنس أن تخصني بصالح الدعاء