مميز

الفتوى رقم #52003

التاريخ: 12/02/2015
المفتي: الشيخ محمد الفحام

الإسلام يرعى الحرية الشخصية للأفراد ولا يقيدها

التصنيف: العقيدة والمذاهب الفكرية

السؤال

سيدي الجليل عندي مجرد سؤال واحد .. لقد كرهت الاسلام قصدي لماذا لا يوجد حرية شخصية فيه ؟؟ انا احب الدعارة وهذا حق شخصي لي واحب ان ينتشر الحب في كل مكان وارضاها لاختي ولامي .. والاسلام مع الاسف دين كبت ودين لم اعرفه اكثر من تخلف في العقل ولا اقصد اهانتك ابدا بل اريد يا سيدي ويا مولاي اجابة على سؤالي السابق لماذا لا توجد حرية شخصية في الاسلام ؟؟ مع رجائي الكامل والشديد لكم يا اسيادي الا تحذفو هذا السؤال ؟

الجواب

أخي الكريم؛ اعلم أنه لم يكنِ الإسلامُ يوماً حاجزاً للحريَّات, أو ضاغِطاً على نفوس المخلوقات, أو مضيِّقاً عليهم فُسْحَةَ الحياة, بل حافظاً أميناً, ؛ وحِصناً آمنا لبُنيان المجتمعات, بتزكيته لحمايته من سحيق الظلمات والضلالات, وتيه العِماية والجهالات. فبدايةً؛ وقبل التوسُّع بعضَ الشيء في الجواب اسمح لي أنْ أسألك, تُرى ما مفهوم الحرية عند ذوي العقول السليمة؟ هي الشَّرَفُ والخُلُوُّ من النقائص والعيوب, ورَجلٌ حرٌّ أي من أشراف القوم, وامرأة حُرة أي كريمة, والحرُّ ضدُّ العبد, وسحابةٌ حرة كريمةُ المطر, وحرَّر الكتاب حسَّنه, وخلَّصه بإقامةِ حروفه وإصلاحِ سَقَطِه, وطينٌ حرٌّ لا رَمْلَ فيه والحُرُّ الخالص هو المحرر من قيود الخلق في نظام خالقِه وفي كتاب الله تعالى (إني نَذَرْتُ لكَ ما في بَطني مُحرَّراً) أي معتقاً لخدمةِ بيت المقدس, من هنا قال الربانيون في تعريف الحرية بأنها فَك الإسار مما سوى الله تعالى, والمعنى أنَّ الإنسان إذا زعم أنَّ الحرية إنما هي الخروج عن إرادة خالقه فهو غفلة عن حقيقة النتائج, ذلك أنَّ الانغماس فيما يُشتَهى إسارٌ لما لا يُعَدُّ ولا يحصى من السفاهات فليس من العقل والذوق أسرُ النفس للمُهلكات بزعم الحُرِّيَّات. خبرني عمن أسر لشرب الخمر إلى مستوى الإدمان فحجر عليه صحياً أفَيُنكَر على الطبيب أن حماه من نفسه, أم يشدُّ على يده حرصاً على العافية والحياة؟ أليس من الحرية الحقيقية هنا أنْ نتمسك بالمثل القائل درهمُ وِقَايةٍ خيرٌ من قنطار علاج. ولعلَّه مِنَ الحكمة بمكان قبل الحُكم على الإسلام أنْ نحيط علماً بمدخلُ السؤال الصحيح لتلقي الجواب الصريح. اعلم يا أخي أنَّ الكلام عن الإسلام كلامٌ عن حكم الله تعالى لأجل عباده وأنَّ هذا الدين ما هو إلا وضعٌ إلهي سائقٌ لذوي العقول السليمة كما قال أهل الاختصاص. بعدها خبرني بربِّك هل كلمةُ أنا أحب الدَّعارة دليلٌ على سلامة العقل ورؤيته الصائبة لمصلحة المجتمع؟؟ , وهل الحق الشخصي أو الحريَّة المطلقة يستقيمان مع المفهوم المعروف من كونهما هتكاً للأعراض وحَجراً للحقوق وإسقاطاً للأعراف المرعية عقلاً وذوقاً. في علم الاجتماع؛ منتهى حريتك بدايةُ حريَّة غيرك, وعليه؛ فلو أطلقت حبل مَطالبك على غاربه بقيد غيرك كان سببا لسلب حقِّه وقَيْدِ حريَّته, وهنا لا تسأل عن حكم الإسلام بقدر سؤالك عن حكم الفرد لرعاية المجتمع كقبول شكوى على مُزعج للغير وضبطه بعقوبة تردعه, أقول فهل تملك أن ترفع عنه الرادعَ إن قال بين الناس: أنا حر أفعل ما أشاء وربك لا يقولها إلا ذلك المعتوه الذي انطلق في صحراء الحياة فَعَدَّ مُنطلقَ فعله ما يشاء في تيه تلك الصحراء فَنَّاً يُتَفاعَلُ معه أو عملاً يُدْرَجُ في فُصولِ العلم للدراسة والمدارسة؟ ترى لم يُعَدُّ كلامه هذا نوعاً من الجنون فضلاً عن كونه شَططاً؟؟ أليس لأن فيه قيداً لحرية الغير وتبديداً لطاقاته؟. لذلك لما جعل الإسلامُ من الضوابط ما يجعل المرء أميناً محافظاً على حقوق الغير بدءاً بالنفس, ومروراً بالمال وانتهاءً بالأعراض إنما أراد أنْ يَحفظ للمجتمع جوهره ويجعل من توازنه حضارةً يُبنى على أسسها شواهقُ العزِّ والرفعة والسمو بامتياز. فأين يكمن الكبت إذا زكَّى الإسلام قلبَ المرء, وأين يكمن التخلُّف إذا جعل الإسلام مستوىً من الإنسانية راقياً يحفظ رَحِمَ الأرض وما عليها بالخدمة, وحفظ الحرمات, وقضاء الحاجات. بقي لفتُ النظر إلى أن الدعارة شيءٌ, والحبُّ شيءٌ آخر, الدعارةُ هَتْكٌ للحرمات وكشفٌ لجلباب الحياء, وجُرأةٌ على ثوابت العقل ومقوِّمات العمل السليم.أمرٌ لا يرضى به عاقل أو شريف, بل يأباه حتى بعض البهائم المشهورة بالحميَّة كالفرس والجمل, وما شُهر ذلك المعنى في نوع من البهائم كما شهر في الخنزير وما ذلك كما قال العلماء إلا لخسة طبعه. عذراً فلم أقصد إهانتك, بل مجردَ لَفْتِ النظر. أجل؛ أنت حر فيما يتصل بنفسك ولا يضرُّها, ولا يتعدَّى بالضرر إلى غيرها. ختاما؛ أخي الكريم اعلم أن جوابي لك كان من جوهر سؤالك, ولم أشأ أن أتحدث عن عقلانيات الإسلام أو جمالياته تفصيلاً كي تعلم أن ديننا الحنيف علَّمنا أنْ نحاور بتجرد وشفافية لأن ذلك من روح تعاليمه, ولن يوصلك إلا إلى الخير الذي ينشده للبشرية, واسمح لي بهمسة علَّها تُحرِّكُ مشاعرك, تذكَّر أنَّ حياتَنا في الدار الدنيا مبدوءةٌ بما تعلم وكذا مختومة فما الذي أعددتَه لتحظى بسعادة الأبد يوم اللقاء بالحساب بين يدي من قال وهو أصدق القائلين: (ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُو اللَّطيفُ الخَبير) والذي حَكَمَ فكلَّفَ بعمل الصالحات في دنيا التكليف. أدعو الله تعالى لك بنور القلب ورشاد العقل وسداد الرأي. آمين