مميز
EN عربي
الكاتب: A MARTYR SCHOLAR: IMAM MUHAMMAD SAEED RAMADAN AL-BOUTI
التاريخ: 11/12/2010

ملامح تربوية في السيرة النبوية

مقالات مقالات في السيرة النبوية

ملامح تربوية في السيرة النبوية

بقلم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فإنّ التربية عمليّة وجدانيّة متواصلة، يُبتغَى منها إخضاع الرغائب الشهوانيّة لقرارات العقل وأحكامه. ومهما اختلفت المظاهر العمليّة لها أو تطوّرت في حياة الأمم والمجتمعات، فإنّ الغاية منها تظلّ واحدة لا تختلف، ألا وهي: إخضاع السلوك الإنسانّي لما يقضي به المنطق والعقل.

والمنطلق الأوّل الذي لا بدّ منه إليها، هو الوقوف على قرار العقل وحكمه في فهم حقيقة الكون والإنسان والحياة. وإنّما يتمّ ذلك باتّباع منهج المعرفة وقواعد المحاكمة العقليّة في معرفة الأشياء.

إنّ العمليّات التربويّة على اختلافها وتنوّعها، لا موضوع لها، قبل أن يدلي العقل بقراره عن حقيقة الإنسان والكون والحياة. إذ لا يوجد ذاك الذي ينبغي إخضاع الرغائب الوجدانيّة والشهوانيّة، من أجله وفي سبيله.

وقد انتهى بنا المنهج العلمي للمعرفة، إلى أنّ الإنسان عبد مملوك لله ميّزه عن سائر المخلوقات بالتكريم وقابليّة المعرفة والعلم، وإلى أنّ الكون الذي يراه من حوله مخلوقات مسخّرة لمصالحه مسيّرة لتحقيق احتياجاته، وإلى أنّ هذه الحياة التي يعيشها الإنسان فرصة أمكنه الله منها لأداء الوظيفة التي شرّفه الله بها وكلّفه بالنهوض بأعبائها، وهي قيامه بعمارة الأرض عمراناً ماديّاً وحضاريّاً تبرز فيه معاني عدالة الله تعالى ومظاهر حكمته، ودلائل رحمته.

فهذا هو قرار العقل وحكمه في فهمه لحقيقة الكون والإنسان والحياة. ومن ثمّ فهو الموضوع الذي ينبغي أن تسعى العمليّات التربويـّـة لإخضاع مشاعر الوجدان ورغائب الأهواء للتعامل معه والانقياد له.

ولكن كيف السبيل إلى تحقيق المنطلق، وهو معرفة الإنسان والكون والحياة، ثمّ إلى العملية التربويّة، وهي العمل على إخضاع العواطف ورغائب الشهوات والأهواء لقرارات العقل وحكمه.

لقد كانت بعثة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تحقيقاً وتجسيداً للسبيل إلى كلّ منهما. لقد كان القرآن الذي تنزّل عليه وحياً بألفاظه ومعانيه، هو المصدر الأوّل للمعرفة وهو المبصِّر بمنهجها المنطقيّ والعلميّ. وكان كلّ من سيرته وخُلُقه السبيل التربويّ إلى تحقيق الغاية التربويّة المتّفق عليها في العالم كلّه، وهي إخضاع العواطف والرغائب الشهوانيّة لقرارات العقل وحكمه.

ولقد جاء القرآن بوضع الأسس الكليّة للتربية إلى جانب التبصير بالمنهج العلميّ للمعرفة، وهي ما يعبّر عنه بالتزكية، أي تطهير النفوس من الرعونات وتحريرها من أسر الأهواء المحرّمة، وما يعبّر عنه بالرغبة والرهبة والحبّ...

ثمّ جعل من المزايا والأخلاق الإنسانيّة المثلى التي ميّز بها نبيّه محمّداً صلّى الله عليه وسلّم، تفصيلاً لمعنى التزكية وتبصيراً بالسبيل إليها، وعاملاً يدعو كلّ من تبيّن فيه هذه الأخلاق والمزايا الإنسانيّة -مشاهدةً أو سماعاً- إلى حبّه والتعلّق به والاقتداء بسلوكه.

فكانت بعثة محمّد صلّى الله عليه وسلّم نعمةً من الله تعالى أهدت إلينا قواعد المعرفة والعلم، وسبل التربية التي تحرر الإنسان من غوائل النفس، وصدق الله القائل تثبيتاً لهذه الحقيقة: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}القلم4، والقائل: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ...}آل عمران159، ومن ثمّ جعله الله بسبب هذه المزيّة قدوةً للناس، وجعل منها حاملاً على محبّتهم له وتأسّيهم به. فقال عزّ وجلّ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }الأحزاب21.

وإنّها لصورةٌ رائعةٌ من رحمة الله بعباده أن يجعل من المزايا الإنسانيّة الرفيعة في حياة رسول الله التي يتعشقها كلّ إنسان سويّ في طبعه وإنسانيّته، أقصر طريق وأقوى جاذب إلى اتّباعه والاقتداء به.

ولسنا هنا بصدد الحديث مفصّلاً عن شمائله التي أفرد في الحديث عنها كثير من العلماء والمحدّثين مؤلفات خاصّة ببيانها، وتصوير شخص رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحياته من خلالها، ولكنّا نستعرض بعض الصور التي تبرز لنا السموّ الأخلاقيّ في شخص رسول الله، وتبرز لنا أثر ذلك في حبّه والتعلّق به، وتحرير النفوس من رعوناتها، وإخضاعها لقرارات العقل وأحكامه.

* روى البخاريّ في صحيحه قصّة الأعرابيّ المشرك الذي اخترط سيف رسول الله، وهو نائم، في ساعة كان هو وأصحابه يستريحون فيها أثناء عودتهم من غزوة ذات الرقاع، فأيقظه الأعرابي والسيف مصلَت بيده عليه، قائلاً: من ينجيك منّي يا محمّد؟ فقال له: الله، فسرى الرعب في أوصال الأعرابيّ وسقط السيف من يده، ولكنّ رسول الله أجلسه ولم يعاقبه وأنبأ بذلك أصحابه الذين كانوا نياماً من حوله. فأسلم الأعرابيّ وانطلق إلى قومه يقول لهم: جئتكم من عند خير الناس.

إنّ من الواضح أنّ القناعة الفكريّة ليست هي التي لعبت دوراً في هداية الأعرابيّ، ولكن الذي لعب الدور في ذلك إنّما هو خُلُق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الذي ظهر في صفحه عن الأعرابيّ الذي قصد قتله، فأورثه ذلك حبّه، وكان من تأثير حبّه لرسول الله أن حرّره من رعوناته وعصبيّته، وأخضعه لحكم العقل وقرار المنطق، الحافزين له على الإسلام.

وتلك هي التربية التي كانت السلاح الأمضى بيد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في طريق القيام بدعوته.

* روى الإمام أحمد وابن اسحاق والبغوي كلّهم بألفاظ متقاربة أنّ عديّ بن حاتم كان امرءاً شريفاً في قومه، وكان يأخذ من قومه ضريبةً تسمّى (المرباع) فلمّا سمع برسول الله ومقدمه إلى المدينة كره دعوته وترك قومه ولحق بنصارى الشام خوفاً على مكانته وشرفه في قومه .. قال: فكرهت مكاني في الشام أكثر من كراهتي لدعوة رسول الله، فعدت إلى المدينة ودخلت عليه وهو في مسجده فسلّمت عليه فقال: من الرجل؟ فقلت: عديّ بن حاتم. فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فانطلق بي إلى بيته. فوالله إنّه لعامد بي إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته، فوقف لها طويلاً تكلّمه في حاجتها. فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك .. ثمّ مضى بي حتّى إذا دخل داره، تناول وسادةً من أدم محشوّة ليفاً فقذفها إليّ وقال: اجلس على هذه، قلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: بل أنت، فجلست عليها وجلس رسول الله على الأرض. فقلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك.

ثمّ إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حدّث عديّاً عن الإسلام، وعن مستقبله، وعن المستقبل المشرق الذي سيؤول إليه حال المسلمين، وسرعان ما تفتّحت نفس عديّ لقبول الإسلام، فأعلن إسلامه، وانخلع عن مظاهر الأبّهة والترف اللتين كان قد أسبغها عليه قومه.

إنّ محلّ الشاهد في قصّة عديّ هذه أنّ فكره لم يكن محجوباً عن دلائل نبوّته قبل أن يراه ويجلس إليه، فقد كان يسمع عن صفاته هذه التي رآها فيه، قل أن تدفعه كبرياؤه لمفارقة المدينة واللحاق بالشام، بل كان يسمع عن صفاته هذه أثناء وجوده فيها. ولكنّه كان محجوباً عنها بتساميه، وبرعوناته وأهوائه التي نشأ عليها.

فلمّا وفد راجعاً إلى المدينة، وفوجئ بأخلاق النبوّة في مظهر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعيشته وسلوكه، كان ذلك عاملاً كبيراً في انطواء رعوناته والكبرياء التي ربّي عليها، وفي يقظة عقله للدلائل الباهرة على نبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وتحرّره من أسر أهوائه وعصبيّته.

وتلك هي حقيقة التربية، كما عرّفناها في مدخل هذا البحث.

والحقيقة أنّ هذا العامل التربويّ الكامن وراء إسلام عديّ بن حاتم. هو بذاته العامل الذي أدّى إلى إسلام أكثر الذين تمّ إسلامهم، من أهل الجزيرة العربيّة ممن رأوا رسول الله وتبيّنوا سيرته ومزاياه الأخلاقيّة، وهذا العامل هو الذي أدّى إلى إسلام الأجيال التي توالت من بعده، إذ كانت دراستهم أو اطّلاعهم على مزاياه الأخلاقيّة النادرة التي صاغه الله عليها، هي العامل الأول في ذلك، وهو عامل تربويّ كما شرحنا وأوضحنا، وليس عاملاً فكريّاً اقتناعيّاً كما قد يُتوهم.

فلقد كانت القناعة العقليّة والفكريّة موفورة لديهم أو لدى أكثرهم بنبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ولكنّها كانت ملجمة بلجام التعالي والعصبيّة، وصدق الله القائل: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}النمل14، ثمّ إنّ محبّتهم له بسبب أخلاقه المثلى هي التي طوت كبريائهم وتغلّبت على عصبيّاتهم، فأذعنوا لما كانوا قد عرفوه فيه من قبل.

وإليكم هذا المشهد الآخر من المشاهد التي لا تحصى لأثر الأخلاق المحمّديّة في التربية الإسلاميّة التي نُشّئ عليها أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنون الصادقون من بعده.

في غزوة حنين خصّ رسول الله المسلمين حديثاً من أهل مكّة بمزيد من الغنائم، نظراً إلى أنّهم يستحقّون بالإضافة إلى حقّهم في الغنائم سهم المؤلّفة قلوبهم.

فسرت وساوس ممّا يتعرّض له الإنسان بدافع من جبلّته، إلى أذهان ثلّة من الأنصار، وقال قائلهم: يغفر الله لرسوله، يعطي أقواماً ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم.

فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجمع الأنصار في مكانٍ خاصّ، وقام فيهم فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم؟ ألم آتكم ضُلّالاً فهداكم الله بي، ومتفرّقين فألّفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ (كلّما قال من ذلك شيئاً قالوا بلى الله ورسوله أمنّ وأفضل)، ثمّ قال: ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنّة والفضل!..

فقال عليه الصلاة والسلام: أما والله لو شئتم لقلتم، فلصَدَقْتم ولصُدِّقتم، أتيتنا مُكذّباً فصدّقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك. فصاحوا: بل المنّة علينا لله ولرسوله.

ثمّ تابع رسول الله قائلاً: أوجدتم يا معشر الأنصار في نفوسكم من أجل لعاعةٍ من المال، تألّفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون أن يرجع الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وترجعوا إلى رحالكم برسول الله؟ فوالله لما تنقلبون به خيرٌ ممّا ينقلبون به. والذي نفس محمّدٍ بيده لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار. وإنّكم ستلقون أثرة بعدي فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناءَ أبناءِ الأنصار.

فبكى القوم حتى اخضلّت لحاهم، وقالوا: رضينا بالله ورسوله قَسماً ونصيباً.

من الواضح أيّها الأخوة أنّ الحالة التي آلت إليها نفوس تلك الثلّة من الأنصار، من التأثّر والندامة والصفاء الروحيّ والنفسيّ، لم تكن بسبب درايةٍ علميّةٍ أو حقيقيّة فكريّة كانت غائبةً عن أذهانهم ثمّ ظهرت. وإنّما كانت بسبب تربيةٍ وجدانيّةٍ تحقّقت لديهم، وهيمنت على نفوسهم، لمـّـا رأوا مظاهر الرقّة والذوق الرفيع والخُلُق الإنسانيّ السامي المتمثّل في التواضع الصادق العجيب، ممزوجة بمشاعر المحبّة الشديدة لأولئك الذين انتقدوه .. فغاب النقد وتُنوسي العتاب، وأجهش الجميع بالبكاء ندماً على ما بدر منهم، واستيقظ الحبّ الذي اجتاحهم أواره لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي آثر ترابهم على وطنه وفاءً لهم فيما قد واثقهم عليه.

إذن فالدلائل العلميّة الناطقة بنبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم وصدقه فيما أخبر الناس به، لم تكن هي العامل الأوحد ولا الرئيس في اعتناق أصحابه والذين جاؤوا من بعده، للإسلام، بل ما أكثر الذين احتضنت عقولهم حقائق نبوّته ودلائل رسالته، فغيّبوها في طوايا نفوسهم الحاقدة والمستكبرة.

وإنّما العامل الأهم يتمثّل في التربية الوجدانيّة التي تسامت إليها نفوسهم، بسبب ما رأوه، فتأثّروا به، من أخلاقه الإنسانيّة المثلى.

وهذا يصدق على الذين جاؤوا بعد الصحابة، من الذين آمنوا به صلّى الله عليه وسلّم ولم يروه .. وقفوا على سيرته وتبصّروا مشاهد حياته وسموّ أخلاقه، فجذبهم إليه جاذب الحبّ، فغابت في غمار ذلك الحبّ رعوناتهم، وخمدت عصبيّاتهم، وتراجعت أهواؤهم.

فاستسلموا للحقّ الذي آمنت به عقولهم. وغدت التربية الوجدانيّة هي الحصن الدائم لإيمانهم.

وتلك هي سيرة كلّ من يعتنق الإسلام اليوم، لاسيّما هؤلاء الكثرة الكاثرة من الغربيين الذين يحوّلهم الإسلام خلال أسبوع واحد من حالٍ إلى نقيضها، من ضياعٍ عن الهويّة والذات في غمار الأهواء والملذّات، إلى اصطباغٍ تامّ بصبغة العبوديّة لله. والتزام كامل بضوابط السّلوك إلى الله.

إنّهما جناحان: جناح الإدراك العلميّ لحقائق الإيمان بالله وجناح التربية الوجدانيّة المنبثقة من المزايا الأخلاقيّة العجيبة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بهما معاً يرقى الإنسان إلى بلوغ مرضاة الله.

فنسألك اللهم أن تحققنا بذلك.

تحميل