مميز

السلسلة: تاريخ التشريع الإسلامي

التاريخ: 27/12/2010

المدرس: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي

29- متى بدأت المذاهب والاختلافات الفقهية؟ الإباضية – الشيعة.

التصنيف: علم تاريخ التشريع

الدرس التاسع و العشرون: متى بدأت المذاهب والاختلافات الفقهية؟ هل هنالك آفات لحقت المذاهب الأربعة التي تحدثنا عنها والمذاهب الفقهية عموماً؟ الإباضية – الشيعة.


خلاصة الدرس 29: تاريخ التشريع

-المذاهب الفقهية ضرورة لا مفر منها، ووجودها لا يتعارض مع ما أمر سبحانه وتعالى به المؤمنين من التضامن والاتحاد لأننا عرفنا أن تعدد المذاهب الفقهية ليس مبعثاً لشقاق أو لخصام بل وجودها عاملٌ هام جدا للتعاون والاتحاد والتضامن على النقيض مما قد يتصور البعض لأننا رأينا أن هذه المذاهب ليست متخاصمة وإنما متكاملة.

لأن كل مذهب سكنت نفسه إلى الاجتهاد الذي أخذ به ولكنه ليس على يقين تام من أن رأيه هو الحق ومن ثَم فهو يفترض أن إمام مذهب آخر هو صاحب الحق وعندما تتكاثر الاجتهاد وتتنوع يكون ذلك مجالاً واسعاً لتحرك الأمة على صراط الله سبحانه وتعالى ضمن اتفاق وتضامن واتحاد، وشاء الله عز وجل بأن تكون هناك نصوص غير واضحة وغير جلية جلاءً تاماً في دلالتها على المعاني المراد منها فكل إمام يفسرها على النحو الذي تراءى له والمنهج يقبل الخلاف فيصبح السير وراء هذا الإمام وغيره تمسكاً بأوامر الله تعالى ..

-إن وجود المذاهب الفقهية والخلافات الفقهية بدأت في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان موقفه عليه السلام من الاختلافات الاجتهادية في بعض الأحكام التأييد بل تشجيع هذا الاجتهاد قد يبرر رأياً ويخطّأ رأياً آخر لكنه لم يمنع الاجتهاد ويوضح الرأي الأصوب , ولعلكم تذكرون قوله عليه الصلاة والسلام بعد رجوعه من غزوة الخندق ألا لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة.. واختلاف اجتهادات الصحابة وفهمهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام .. وقد ذكرت هذه القصة في الدرس الرابع من هذه الدروس..

ورد في الصحيح أن رجلا دخل المسجد ليدرك الجماعة خلف النبي عليه الصلاة والسلام ويبدو أنه كان متأخراً ورسول الله يركع فأسرع هذا الرجل ليدرك الركعة فعلم النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك ما فعل قال له: زادك الله حرصاً ولا تعد فلم ينكر عليه اجتهاده ولكن قصد في كلامه أن إذا كنت في المسجد امشي الهوينى ... فالنبي عليه السلام لم يعنف المجتهدين من أصحابه بشكل من الأشكال ..

ومن ذلك عمار بن ياسر كان في سرية وقد أجنب واحتاج ان يرفع الجنابة ولا يوجد ماء فتمعك في التراب ولما وصل غلى النبي عليه الصلاة والسلام لم يعنّفه بل اوضح له أنه إنما كان يكفيه التيمم.

الغريب أننا لا نجد من نقول في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم مذاهب ربما قال من ينكرون المذاهب هذا الكلام وقد كان في عصر الصحابة بعد وفاة رسول الله عليه السلام مذاهب كثيرة كمذهب ابن عباس وزيد وغيرهم رضوان الله عليهم لكن لم نسمع من قال ذلك وربما قال من ينكرون المذاهب أن المذاهب لم تكن في عصر الصحابة وإنما بعد هذا العصر والسبب في ذلك ان صاحب المذهب من الصحابة لكم يدون مذهبه فلو جمع ابن عباس آراءه الاجتهادية في كتاب لقلنا أن هذا مذهب عبد الله بن عباس رضي الله عنه. لو أن عبد الله بن عمر جمع الاجتهادات التي انفر بها عن ابن عباس لقيل عن هذه الأوراق أنها تحوي مذهب ابن عمر رضي الله عنه.. أما الأئمة الأربعة فقد دونت مذاهبهم ..

إذن نشأة المذاهب الفقهية كان خير دعامة لترابط المسلمين وتعاونهم بل للوحدة الإسلامية لأن هذا الاتساع جعل الناس مهما تحركوا يتحركون تحت مظلة الوحدة الاسلامية..

هل هناك آفات - عيوب - لحقت بالمذاهب الأربعة التي تحدثنا عنها..؟

نعم ومن أهمها وأخطرها أن هنالك مذاهب - ونسميها بالفرق حتى نفرق بين المذاهب الاعتقادية والمذاهب الفقهية - اعتقادية, والمذاهب الفقهية مذاهب , ومن أخطر هذه الآفات أن بعض أصحاب الفرق الاعتقادية دفعتها العصبية إلى تسليط قدر كبير من آثار أفكارهم الاعتقادية بل السياسية آناً على المذاهب الفقهية وآرائهم الاعتقادية سلطوها على أفكارهم الفقهية.

بعبارة أخرى اختلفوا عن جمهرة المسلمين ببعض المعتقدات لكن بما يتعلق بالآراء الفقهية لم يكن لهم موقف خاص لكن ساقتهم العصبية إلى أن يجعلوا بدون موجب فقهاً خاصاً بهم..

أمثلة ذلك: الخوارج الذين خرجوا على سيدنا علي انقسموا إلى عدة أقسام منهم من تابوا ورجعوا ومنهم من رفعوا السلاح في وجه المسلمين وسيدنا علي قتلوا وقتل أكثرهم وبقيت فئة منهم أقل هذه الفرق جنوحاً وهي التي تسمى الإباضية فهم ليسوا بشراسة الخوارج وهم معروفون بورعهم واستقامتهم , لهم رايهم الاعتقادي تجد ان هنالك مذهب اسمه المذهب الإباضي في الفقه والحج و غير ذلك.. ولو رجعنا إلى كتبهم لرأينا أن آرائهم لا تخرج عن آراء المذاهب الأربعة فهذه عصبية نحن ننكرها ومن ينكرون المذاهب يتوكؤون على هذا الأمر وهذه آفة من الآفات.

ما يتعلق بفقه الشيعة أعتقد أن كله ينقلونه ويروونه من آل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام عن محمد الباقر وابنه جعفر الصادق وحين نعود غلى فقهم نجد أن فقههم ليس شيئاً آخر من فقه المذاهب الأربعة وقد جلس الإمام أبي حنيفة إلى جعفر الصادق وأخذ عنه ..

وننظر فنجد أنهم رسموا لأنفسهم فقهاً خاصاً بهم, لماذا هذا المذهب الخاص في حين انكم إنما اختلفتم عن أهل السنة والجماعة في مسائل العقيدة والخلافة ..؟

الجواب هو أن الشيعة فيما بعد اشترطوا في الرواية عن النبي عليه السلام شروطاً لم يشترطها أحد من آل البيت وهي أن لا يروى الحديث ولا تفسير لكلام الله إلا من معصوم واشترطوا أن لا تقبل رواية إلا من آل بيت النبوة, هذا الاشتراط هو الذي كون فقهاً خاصاً بهم فيما يتعلق بعلم الرواية والجرح والتعديل.لم يكن لا محمد الباقر ولا علي بن أبي طالب رضي الله عنهم يشترطون في أخذهم للرواية كهذه الشروط .

إذا في عصر هؤلاء الأئمة الذين نجلهم إجلالاً كبيراً ننظر فنجد أنه لم يكن يوجد مذهب فقهي خاص لمن يسمون بالشيعة ابداً وما أكثر ما روى الأئمة الأربعة من آل بيت رسول الله وآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يروون عن الصحابة وعن التابعين ولكن فيما بعد وجد هذا الشرط, وجد الانشطار بسب الاجتهادات الاعتقادية.

تحميل



تشغيل

صوتي