مميز

السلسلة: تاريخ التشريع الإسلامي

التاريخ: 26/07/2010

المدرس: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي

17- الإمام الشافعي: لمحة عن حياته

التصنيف: علم تاريخ التشريع

الدرس السابع عشر: الإمام الشافعي: لمحة عن حياته


خلاصة الدرس السابع عشر تاريخ التشريع الإسلامي

الإمام الشافعي: هو من وضع قواعد ومبادئ الاستنباط. لأن الإمام الشافعي دوّن قواعد الفقه الكلية وأصل أصوله بعد أن كان الفقه مسائل جزئية غير مرتبطة ببعضها البعض وغير قائمة على قواعد كلية وأصول ثابتة عامة (أي نظريات) وقد وضع الإمام الشافعي أيضاً قواعد للرأي والاجتهاد حتى لا يخرج الرأي والاجتهاد عن سنن الكتاب والسنة وضبط قواعد للقياس وأقام مبادئ تفرق بين الحق والباطل فيما يتعلق بالأمور الاجتهادية التي لا نص فيها, فكان هو الذي جمع بين فقه أهل العراق وفقه أهل الحجاز أي فقه الرأي وفقه الحديث بشكل معتدل وعلى أساس بين الضوابط والقواعد.

اسمه: محمد بن إدريس الشافعي ولد عام 150 هـ في غزة وتوفي عام 204 هـ بالاتفاق وهو بهذا عاش أقل من الأئمة الثلاثة. واتفق الباحثين في الشريعة الإسلامية على أن فقه الإمام الشافعي يمثل الفقه الإسلامي في قمة نضجه وازدهاره.

حياته: ولد الإمام الشافعي في غزة ( جمهور المؤرخين ) والده ادريس قرشي يلتقي نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف الجد أما أمه فمن قبيلة أخرى عربية الأصل، أسرته فقيرة للغاية ربي يتيماً فقد توفي والده وسرعان ما ذهبت به والدته إلى مكة حتى لا يضيع نسبه ولكي يعيش حيث تتجمع قبيلة قريش فيعيش في أحضانها ثم إنه حفظ كتاب الله في صغره غيباً, ثم أقبل على الحديث يحفظه وكان يكتبه على الخزف والألواح والجلود حسب ما يتوفر له.

وصح أنه كان يذهب إلى الدواوين في مكة فيستوهب منهم ما يسمى بالظهور دمع ظهر: الورقة التي كتب على ظهرها وبقي الآخر.

روى بعض المؤرخين أنه يجلس ويسمع الحديث من الإمام مالك وكان يكتب ما يسمعه على يده ( يتخذها وسيلة لنقشها في مخه ).

ثم أرسلته أمه إلى إحدى القبائل العربية (قبيلة هُذيل) عربية أصيلة ليعيش بين ظهرانيهم والهدف أن يتشرب لسانه اللهجة العربية الفصحى وأن يتحصن لسانه ضد العجمة واللحن الذي بدء ينتشر عند بعض الألسنة وبهذا حفظ كثيراً من شعر الهذليين وكلامهم, واكتسب فيها أصالة اللغة العربية.

لازم الإمام الشافعي الإمام مالك إلى وفاته عام 179 هـ وإلى هذه الفترة كان يعاني من الفقر ولا يبالي من أجل العلم ولما توفي كأنه أحس بفراغ كبير فالتفت يبحث عن عمل وقد وصل إلى قمة شبابه,

بحث له بعض القريشيين عن عمل في اليمن بواسطة والي اليمن لأنه لم يشأ أن يكون عالة على أحد، وقد بحث له عن عمل في نجران وأعطي له منصب الولاية وكان بمثابة المحافظ وعمل مدة لم تعرف ثم إن والي اليمن تحفظ عليه فوشى إلى هارون الرشيد بشأنه وعشرة معه وكانت الخلافة العباسية آنذاك تحسب حساب للشيعة

والتهمة التي كانت سبب وشاية والي اليمن إلى هارون الرشيد هو حب الإمام الشافعي الشديد لآل بيت رسول الله صلى الله عيه وسلم وكان يفضل آل بيت المصطفى في الفتن الذي ظهرت فيما بعد ولذلك هنالك أبيات للشافعي يصور فيها أنه فئة رمته بالرفض وفئة بالتعصب.

إذا نحن فضــّـــلنا عليّاً فإننا روافض بالتفضيل عند ذوي الجهل

وفضـــل أبي بكر إذا ما ذكرتُه رُميت بنصبٍ عند ذكريَ للفضـل

فما زلت ذا رفض ونصب كليهما أدين به حتى أوســـد في الرمل

إن حبنا فطري طبيعي لآل البيت لكن لا يجب أن يصبح تشنجاً وتعصباً سياسياً يعود بالسب على بقية الصحابة وقد ذكرنا موقف محمد الباقر والد جعفر الصادق عن سيدنا أبي بكر وعمر وعثمان.

المهم أن التهمة كانت التشيُّع فأرسل له أن ابعثهم جميعاً مقيدين ونفذ الأمر وكان بينهم الإمام الشافعي ولكن الله أنقذ الشافعي من هذه المحنة لسببين:

1- قوة حجة لسانه الذي كان يتمتع به ومنطقه الباهر وقد أعجب هارون الرشيد.

2- أن محمد بن الحسن تلميذ الإمام أبو حنيفة كان آنذاك في مجلس هارون الرشيد وكان قد التقى بالإمام الشافعي وعرفه بين أن للعلماء نسب أقوى من نسب الرحم فشهد محمد بن الحسن للشافعي شهادة عظيمة فقال إن لهذا الشاب قدر كبير من العلم وليس بينه وبين التهمة صلة.

كأن هذه المحنة من الله عز وجل لإعادة الشافعي من عمل الدنيا إلى عمل الآخرة وهكذا عاد الإمام ليتمم ما ترك من دراسته عام 184 وذلك بأن تعرف على الإمام محمد وتتلمذ على يده ويقول ( أخذت من محمد بن الحسن وقر بعير من العلم أخذته سماعاً).

ولازمه وأخذ منه وناظره في كثير من المسائل التي اجتهد فيها هو وأبو حنيفة على طريقة أهل الرأي وفي كتابه الأم الكثير من هذه المناظرات اللطيفة وكان الإمام محمد يقدر الشافعي تقديراً عظيماً ولا يؤثر على مجلسه معه أي مجلس

ومن شيوخه مسلم بن خالد هو من أعطاه شهادة الإفتاء.

أقام الإمام الشافعي سنتين في بغداد ثم عاد إلى مكة 186 وأخذ يدرس في الحرم المكي وهي فترة ازدهار الشافعي والخصبة فقد بدأ يعمل كل تفكيره وذهنه في تدوين فلسفة للفقه وفي وضع موازين للاجتهاد حيث يجمع العقول المختلفة على هذه الموازين.

هنا اجتمع بالإمام أحمد وجلس إليه الإمام أحمد في مكة .. وعندما سئل عن جلوسه إليه أجاب الإمام أحمد: أما الحديث فإن غاب عنك عاليهِ أخذت نازله لكن من لي – من أين لي - بعلم هذا الفتى لو تركته.

وفي هذه السنوات وضع وخطط لهذا العلم الجديد علم أصول الفقه ( أصول الاستنباط ) بل استخرجها من لسان العرب وبقي في مكة تسع سنوات على هذا العلم ثم عاد ثانية إلى بغداد 195 وهو يحمل هذه القواعد الكلية التي أصل أصولها وضبط فيها المسائل الجزئية إلى جماعة أهل الرأي وهناك أخرج كتابه العظيم (الرسالة) الذي دون فيه القواعد .

وملخص الرسالة هو: أن أي علم يدرسه العالم الشرعي يجب أن يدور على فلك النص من الكتاب والسنة فلا يجوز أن نأتي بأحكام منقطعة النسب عن القرآن والسنة, وأوضح فيها الإمام حجية القرآن والسنة لظهور من لا يلقي بالاً لحجية السنة ( الزنادقة ) لهذا سمي نصير السنة النبوية.

ثم عقد باباً سماه الدلالات وكيف تدل النصوص القرآنية أو السنية على المعنى وكيف تدل النصوص القرآنية أو السنية على معناه بعبارته وفحواه وعن خطابه وبالمفهوم الموافق والمفهوم المخالف وكيف يدل بعليته وكيف نستخرج قواعد القياس على النص في كتاب الله تعالى وإذا ورد إلينا نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق الآحاد هل هو حجة أم لا وأوضح كيفية البيان وكيف أن القرآن بيان بعضه لبعض وأن النص قد يكون عاماً وخاصاً مطلقاً ومقيداً والعام يأتي نص خاص والمطلق يأتي نص مقيد يفسره وهل يمكن للسنة تقيد النص القرآني يفسره العام، وهل يمكن للسنة تقيد النص القرآني المطلق وهل يمكن العكس فهي مفاتيح لكي نستخدم أحكام الشرع وإذا لم نجد نص فكيف نجتهد وكيف نسير على طريق يتفق مع مبادئ كتاب الله وسنة رسوله ولفقر المجتمع الإسلامي في هذا وحاجته لمثل هذا الكتاب أقبل علماء العراق جميعاً على هذا الكتاب, أقام الإمام مالك في بغداد سنتين

ومن ألمع أساتذة الإمام الشافعي هم الأئمة مالك ومسلم ومحمد ولكن موقفه بالنسبة للإمام مالك بالذات فقد كان إلى شطر حياته يعد من تلامذته وكأنه يسير على مذهبه، وكان إذا وضع بعض المسائل التي يخالف فيها رأي الإمام مالك لم يمل إلى مناقشته.

موقف الإمام الشافعي من الإمامة كان يرى أن الأولى بالخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر فعمر فعثمان واعتمد في هذا على جملة الأدلة.

، لكن الإمام الشافعي فيما يتعلق بالفتنة التي قامت فيما بعد بين معاوية وسيدنا علي رضي الله عنه يرى ويجزم بأن الحق في جانب سيدنا علي وأن الطرف الثاني هو الطرف الباغي وأوضح ذلك في كتاب ( الرد على سير الأوزاعي ), ولسنا نسيء لسيدنا معاوية في كلمة البغي وإنما البغاة هم الذين تمردوا على الدولة بحجة شرعية ولهم اجتهادهم في ذلك ولهم سلطة, هل هم آثمون..؟ لا لأنهم مجتهدون ولخليفة المسلمين أن يقاتلهم وهو أيضاً مجتهد في هذا.

تحميل



تشغيل

صوتي