مميز

السلسلة: الجهاد في الإسلام - تسجيل قديم

التاريخ: 03/11/1997

المدرس: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي

الدرس الثاني: تتمة المقدمة + الإنسان بين الحرية والتكليف

التصنيف: فقه عام

النقاط الرئيسية فيه:
تذكرة بخاتمة الدرس الأول: جهاد الدعوة أو التبليغ هو القاعدة الواسعة للجهاد، وينبثق عنه الجهاد القتالي عندما تتحقق ظروفه وشروطه.
الجهاد بالكلمة أو جهاد الدعوة استمر بعد الهجرة، فقد كان سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام يرسل الوفود والسرايا لا ليقاتلوا، ولكن ليبلّغوا دعوة الله سبحانه وتعالى إلى الناس في أطراف الجزيرة العربية.
وقعت ظروف أخرى بعد الهجرة إلى المدينة اقتضت أن يضاف إلى جهاد الكلمة نوع آخر وهو الجهاد القتالي.
تتثمل هذه الظروف في:
1- نشأة أول مجتمع إسلامي متماسك، ولم يكن هذا المجتمع موجوداً في مكة. هذا المجتمع الذي تألف من الأنصار والمهاجرين واليهود الذين قرروا أن يعايشوا المسلمين في أمن وسلام.
2- نشأة النظام السلطوي المنضبط بدستور، ولم يكن موجوداً أيضاً في مكة المكرمة، وهذا النظام قد تمثل في الوثيقة أو فلنقل في الدستور الذي أعلنه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، هذه الوثيقة التي تتألف من بضع وسبعين بنداً، أولها أن المسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحقهم أمة واحدة من دون الناس، وآخرها يقول: كل ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخاف فساده فإن مردّه إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله. وقد تُوّج هذا النظام بإمام (رئيس دولة) وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأصبح له بالإضافة إلى شخصية النبي المبلّغ شخصية رئيس الدولة.
3- نشأة أول دار للإسلام، نبتت فوقها أول دولة إسلامية في المدينة المنوّرة.
هذا المناخ الجديد اقتضى تشريعات جديدة لحماية هذا المجتمع وهذه الدولة، وهي:
1- تحصين حدود دار الإسلام هذه، لأن هذا الكسب سيكون مطمعاً للمشركين الذين حولهم.
2- التصدي بالقتال لكل من يريد بهذه الدولة شراً.
3- مقاتلة كل من أصر على مقاومة الدعوة الإسلامية السائرة على منهج التعريف والحوار (وهو جهاد الدعوة)، فمن سالم هذه الدعوة سولم، ومن تصدى لها بالإسكات أو بالإيذاء يجب أن يقاوم إيذاؤه بالردع. وإنما شرعت مقاتلة المقاومين للدعوة بعد الهجرة ولم تشرع قبلها بل كانت ممنوعة، لأن الدعوة أصبحت مكلوءة بحماية دولة ورئيس مسؤول عنها. (وفي شرح هذه النقطة يرد الدكتور على من قال أن القتال لم يشرع قبل الهجرة لضعف المسلمين وقتها، ويبين خطأ هذا التعليل).
ثم إن الدين تكامل بعقائده وأحكامه، واستقر الجهاد بحلقاته المترابطة هذه أصلاً من أصول الدين إلى يوم القيامة.
يجب أن يستقر في أذهاننا على ضوء ما ذكر أن الجهاد القتالي قد شرع دفاعاً عن مكتسبات معنوية ومادية أكرم الله بها المسلمين، فحيثما وجد المسلمون ومعهم هذه المكتسبات ينبغي أن يجاهدوا في سبيل الذود عنها، وحيثما وجدوا وليست لهم هذه المكتسبات ينبغي أن يفعلوا ما فعله أصحاب رسول الله عندما كانوا في مكة، أي جهاد الدعوة مع الصبر على الأذى. (ذكر الدكتور مثالاً على هذا في الدرس، وذكر كيف يكون جهاد المسلمين الأوروبيين).
في هذه الدروس لا نتكلم بأمور عاطفية أو وعظية، وإن كانت العاطفة لها حقها وإن كان الوعظ واجباً أيضاً، لكننا في هذا العصر بأمس الحاجة إلى أن نغذي عقولنا بالعلم بشريعة الله، لأننا نحارَب بالتدجيل العلمي، والسبيل الأوحد للوقوف في وجه هذا التدجيل هو أن نركن إلى الحقائق العلمية.
بعد هذه المقدمة والبيان العام لمعنى الجهاد، يمكننا الإجابة عن السؤال القائل: هل شرع الجهاد القتالي للقضاء على الكفر، أم إنه شرع لدرء العدوان والحرابة؟ الجواب تم ذكره لكن بشكل إجمالي. الجهاد بالدعوة هو الذي شرع للقضاء على الكفر، أما الجهاد القتالي فشرع لحماية المكاسب الثلاثة السابقة، وسيتم بيان ذلك تفصيلياً مع الأدلة.
الإنسان بين الحرية والتكليف:
لا بد للإجابة عن السؤال السابق تفصيلياً من دراسة هذا الموضوع المهم جداً وهو (الإنسان بين الحرية والتكليف) لبيان وجه التناسق بين الحرية والتكليف، ومن ثم فإن لهذا البحث دوراً كبيراً في حلّ مشكلة مستعصية في بعض الأذهان تجاه معضلة الإكراه على دخول الإسلام بقوة السلاح.
كثيرٌ من الناس يلتبس عليهم معنى التكليف الذي خاطب الله عز وجل به عباده جميعاً، بالحرية التي متعهم الله عز وجل بها. فقد يظن بعضهم أن التكليف يعني سلباً للحرية، أو أن الحرية تعني أنه لا يوجد تكليف، وفي الحقيقة هناك تناسق بين المعنيين، أي بين الحرية وبين التكليف.
أما قولنا أن الإنسان مكلّف فمعناه أنه لم يخلق سدى ليتقلب في فجاج الحياة كما يهوى ويريد. بل خلق مكلّفاً بوظيفة أقامه الله عليها وخاطبه بأوامر جازمة. فإن أداها على الوجه المطلوب أثيب يوم القيامة. وإن أعرض عنها وتناساها، عوقب يوم القيامة. وحذره من نواهي، إن اجتنبها أثيب، وإن ارتكبها عوقب يوم القيامة.
أما قولنا أن الإنسان حر فمعناه أنه يملك القدرة على أن ينفّذ أوامر الله تعالى أو لا ينفّذها، ويملك القدرة على أن يجتنب نواهيه أو يأتيها.
أي أن الإنسان حرّ بمعنى أنه يستطيع أن يتصرّف كما يشاء في هذه الدنيا، وهو ليس حرّاً بمعنى أن الله لم يأذن له أن يعثو في الأرض فساداً كما يحب.
من هنا قال العلماء: الإنسان عندما يكلّف فيأتمر بأوامر الله، إنما تظهر قيمة ائتماره بأوامر الله عندما يخترق حريته ويضغط عليها ويسيرها طبقاً لأوامر الله عز وجل، عندئذ تظهر قيمة انصياعه لهذه الأوامر. (ذكر الدكتور أمثلة على هذا المعنى في الدرس).
لكي يوجد التكليف لا بد له من شروط (غير شرط البلوغ والرشد)
1- ينبغي أن يكون المكلّف حراً، أي يملك القدرة على الاختيار.
2- ينبغي أن لا يكون مُلجأً، وهو المضطر إلى شيء، لأنه لا قيمة لعمله، سواء اضطر إلى ارتكاب المعصية، أو اضطر إلى أداء الواجب، لأن الله ينظر إلى القلب الذي يقود، لا إلى الأعضاء التي جرّت جرّاً إلى الطاعة. مثلاً لو أن إنساناً دُفع دفعاً فوقع على طفل فمات هذا الطفل، هذا الإنسان لا يحاسب لأنه مُلجأ (وإن كان عليه دية وهي تسوية حقوقية لسد ثغرات الأحقاد في المجتمع).
إذن لا يوجد التكليف إلا في مناخ الحرية.
يسوقنا هذا المعنى إلى أن الانصياع لأمر الله إذا جاء بالإكراه لا قيمة له أبداً، يعني إيمان المؤمن بالله قيمته تتجلى عندما يكون غرس الإيمان في القلب، ولا يكون في القلب إلا عن اختيار وقناعة ورضى. أما عندما يكون الإيمان جرّاً وإلزاماً وتهديداً، هذا يوم القيامة وعند الله لا يساوي إيمانه شروى نقير.
بيان أدلة ما سبق من القرآن الكريم.
إن أوامر الله الصادرة إلى مكوَّناته تنقسم إلى أوامر تكوينية وإلى أوامر تكليفية أو تشريعية. أما التكوينية فموجهة إلى المكوّنات التي من حولنا (سموات، نجوم، حيوانات، مياه،...) وقد أقامها الله على وظائفها بالجبر. أما الأوامر التشريعية فقد وجهها إلى الإنسان، وهي غير ملزمة (بالمعنى الخاص بالأوامر التكوينية)، فقد متع الله الإنسان بعقل، ودلّه على الطريق الذي يحب له أن يسلكه، ودلّه على الطريق الذي لا يحب له أن يسلكه، وقال له: إن فعلت هذا سعدت في دنياك وعقباك، وإن فعلت هذا شقيت في دنياك وعقباك، فافعل ما تشاء.
إذا كان الأمر كذلك فهل يتفق مع هذا الكلام أن نقول: إن الله عز وجل شرع الجهاد القتالي للقضاء على الكفر؟ لو قلنا ذلك فمعنى هذا أننا نرغم الناس إرغاماً على أن ينطقوا بكلمة الإسلام وأن ينقادوا لمقتضى الإسلام بأمر تكويني تماماً كما خاطب الله الشجر والحجر والماء والهواء والتراب، ومعنى ذلك أننا أسقطنا الفرق بين الأمر التكويني والأمر التشريعي.

تحميل



تشغيل

صوتي