مميز

الفتوى رقم #36262

التاريخ: 20/11/2012
المفتي: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي

توضيح الفرق بين الواردات الإلهية والأمداد

التصنيف: الرقائق والأذكار والسلوك

السؤال

إلى سيدي الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي .السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.وبعد طلب الدعاء من فضيلتكم أسأل: ورد في شرحكم للحكم العطائية قول ابن عطاء الله السكندري رحمه الله في الحكمة السابعة والستين: "قلما تكون الواردات الإلهية إلا بغتة ، لئلا يدعيها العبّاد بوجود الاستعداد" . وفي شرحها ص199 ((...أن السبيل إلى هذه الواردات يتمثل في فضل من الله ، لا في جهد أو سلوك من العباد، وهذا هو السبب في أنها تأتي بغتة، ولا تسري إلى القلب تدريجاً ، ولو سلكت سبيلها إليه تدريجاً لكان في ذلك ما يوهم ، بأنها آثار تتجمع في الفؤاد من تزايد الطاعات وكثرة الأذكار التي يأخذ السالك بها نفسه...)). ثم إن ابن عطاء الله رحمه الله يقول في الحكمة العاشرة بعد المئة :((ورود الأمداد بحسب الاستعداد،وشروق الأنوار على حسب صفاء الأسرار)). وفي شرحها ص577: ((إن الواردات التي تتطلع إليها ، إنما ترد إليك من الله عندما تكون "مستعداً لها" كما أن هذه الواردات لا تشرق في كيانك ولا تتجلى على فؤادك ، إلا بعد صفاء سريرتك من كدورات الأهواء...)). ثم تقول : ((وهيهات أن يتحقق لديك الاستعداد ، وأن تتمتع بصفاء السريرة من تلك الكدورات،إلا إن أخذت نفسك بالوظائف التي أقامك الله عليه وكلفك بها ، واستقمت على ذلك مدة طويلة ، ومنها ملازمة الأوراد..)). فيا سيدي ..هل في ما نقلته ما يوهم بوجود تناقض بين الحكمة الأولى التي تجعل من الواردات هبة إلهية يختص بها الله من يشاء دون استعداد ، وبين الحكمة الثانية التي تشترط -فيما يبدو- وجود الاستعداد لدى العبد لكي يحظى بتلك الواردات . هل الواردات الإلهيةمكتسبة بقول أو عمل ، أم أنها عطية إلهية لا تتأتى باجتهاد ولا استعداد؟! وعذراً للإطالة وجزاكم الله خيراً وحفظكم من كل سوء.

الجواب

ثمة فرق كبير بين مقصود ابن عطاء الله لكلمة "الواردات" في الحكمة الأولى، وكلمته "الأمداد" في الحكمة التي بعدها، وقد أوضحت في الشرح الفرق بينهما. وخلاصة ذلك أن المراد بالواردات ما قد يفاجأ به الإنسان طفرة، من الهداية بعد الضلال والإيمان بعد الكفر، دون سابقة محاولة أو تهيؤ، كالذي فوجئ به فضيل بن عياض وبشر الحافي وعبد الله بن مبارك، أما المراد بالأمداد فهو النتائج التي تتحقق في حياة المؤمن وسلوكه، بعد ممارسة السبل إلى ذلك من الدوام على ذكر الله، والابتعاد عن المحرمات، والدوام على قيام الليل، إذ يكرم الله المؤمن بعد الدوام على هذه السبل وأشباهها بما لم يكن يتمتع به من الخشوع في صلاته، وطهارة قلبه من شوائب الأهواء، ومن توفيق الله له في أعماله الدنيوية والأخروية. فهذه "الأمداد" ثمرات لوسائل وأسباب. وأما "الواردات" فجذب رباني من حال إلى حال. وهو المراد بالاجتباء في قوله تعالى (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ).