مميز

السلسلة: تاريخ التشريع الإسلامي

المدرس: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 29/03/2010

5- الدور الثاني من أدوار التشريع و الجديد الذي حصل للتشريع والقرآن والحديث والاجتهاد؟

التصنيف: علم تاريخ التشريع

الدرس الخامس:الدور الثاني من أدوار التشريع و الجديد الذي حصل للتشريع والقرآن والحديث والاجتهاد؟


خلاصة الدرس الخامس: تاريخ التشريع الإسلامي.

الدور الثاني من أدوار التشريع بدأ بوفاة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتستمر إلى أواسط عهد التابعين.

الجديد في هذا الدور بالنسبة للقرآن:

في عهد سيدنا أبو بكر رضي الله عنه تم جمع القرآن وكتابته مرة أخرى من أجل أن يجمع بين غلافين فالقرآن كان مجموعاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق كتاب الوحي لكن لم يكن مجموعاً بين دفتين , فهذا هو العمل الذي قام به سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وكلّف بذلك زيد بن ثابت رضي الله عنه , واستمر الأمر على هذا المنوال إلى أن كانت خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه عندئذ قام سيدنا عثمان بنسخ سبعة نسخٍ على ضوء ما كتبه سيدنا زيد رضي الله عنه و وزعها في أمهات الأمصار وهذا أجلّ عمل في الواقع قام به سيدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في خلافته .

الجديد في هذا الدور بالنسبة للسنة:

لم يحصل شيء جديد يتعلق بكتابة السنة أو ضبط روايتها ولكن رأى جل الصحابة أن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم أصبحت في مرحلة الخطر بسبب اتساع رقعة الاسلام وانتشار الإسلام في كثير من الأمصار فهؤلاء المسلمون يتلقون حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وربما لم يستطيعوا أن يحفظوا هذه الأحاديث التي يتلقونها فربما خانتهم الحافظة فوجد جل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان من الخير أن تقل رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان سيدنا ابو بكر واحد من المتحمسين لذلك فجمع في أولى أيام خلافته ثلة كبيرة من الصحابة الذين كانوا ينتشرون في الآفاق والبلاد الإسلامية وقال لهم: إنكم تختلفون في كثير من المسائل وإن الذين سيأتون من بعدكم سيكونون أشد اختلافاً منك فإذا ذهبتم واتجهتم إلى حيث تذهبون فأقلّوا من رواية الحديث ووجهوا الناس إلى كتاب الله سبحانه وتعالى ما وسعكم ذلك, ووقف ذات الموقف سيدنا عمر رضي الله عنه، وكذلك جلّ الصحابة.

وهذا لا يعني الإعراض عن الحديث والرجوع إلى القرآن فقط وعدم تحكيم السنة النبوية عندما تثبت ..؟ ففي الدور الثاني من أدوار التشريع لم يحصل أي ضبط للرواية كما سنجد في الدور الثالث لكن الذي حصل هو هذه الوقاية السلبية.

الجديد في هذا الدور بالنسبة للاجتهاد:

أما طريقة الاجتهاد الذي ظهر في هذا العصر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان منهجهم وخصوصاً المفتين أمثال زيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس أنهم لا يفتون إلا في الوقائع التي وقعت فعلاً، وكانوا يضيقون ذرعاً بهذا, وكان يقول سيدنا عبد الله بن مسعود إياكم و أرأيت أرأيت.. فإنما هلك من قبلكم بهذا ...

لأن الجدّ في هذا الموضوع يقتضي أن يكون متجهاً إلى حل معضلات واقعة فعلاً. وتخيل مشكلات ستقع يعد في ميزان أصحاب رسول الله عليه السلام وفي ميزان المنطق ايضاً ترفاً , ,ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه .. وفي سلم الأولويات يعتبر سؤال المرء عما لم يحصل بعد مما لا يعنيه . وهذا من التواضع والحيطة في دين الله سبحانه وتعالى عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فيما بعد اتسعت رقعة الإسلام اتساعاً كبيراً واندلقت المشاكل واختلط الواقع بالمتوقع وإذا بعبد الله بن مسعود يُسأل فيقول : كنا ذات يوم لا نجيب عما لم يقع بعد ولكنا نظرنا فوجدنا أن الأمور اختلطت , فبدأ يجيب عما يُسأل عنه وإن لم يتيقن حدوثه.

أما طريقة الصحابة في الاجتهاد في هذا العصر :

كانت طريقة الصحابة في الاجتهاد هو ذات المنهج الذي تلقفه أئمة المذاهب فيما بعد ومن المهم ان نعلم هذا وسنتحدث عنهم في الدور الآتي .. وأصحاب رسول الله تلقفوا هذا المنهج بطريقة او بأخرى من سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام.

كانوا يرجعون أولاً إلى القرآن أدباً ثم إنهم يعودون في الدرجة الثانية إلى السنة لتبيين ما قد وقفوا عليه في القرآن, ثم بالرجوع إلى كبار الصحابة وما اجتهدوا فيه كعبد الله بن عباس وزيد بن ثابت وغيره. ولعلهم لم يجدوا مطلبهم أيضاً عندئذ يجتهدون فالواحد منهم يدلي برأيه وليس كلمة الرأي هنا هو يعني الرأي المزاجي معاذ الله .. بل معناه أن يقيس الأمور على مشبهاتها .

و الحكم الذي كان يرتئيه هذا أو ذاك لم يكن الواحد منهم يدعي أنه ينطق باسم الله وانه قد جاء بحكم شرعه الله عز وجل ومن ثَم لا يتعصب الواحد منهم لغيره.

نتيجة لذلك كثر الاختلاف في أحكام الشريعة الاسلامية في هذا الوقت.

ومن نماذج الخلافات .. كقصة عبد الله بن مسعود وفتواه في المرأة التي مات عنها زوجها ولم يدخل بها, واختلافه في الحكم مع سيدنا علي رضي الله عنه.

ومسألة أخرى وقع فيها الخلاف بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: حكم طلاق الفرار أثناء مرض الزوج، فحكم سيدنا عمر في المرأة التي طلقت طلاق الفرار على أنها تعتد وترث منه على الرغم من طلاقها لأنه طلاق الفرار واشترط إن مات الزوج قبل انتهاء عدة الطلاق .. وخالفه سيدنا عثمان رضي الله عنه على أنها ترث منه مطلقاً لأن سبب الطلاق هو مرضه.

تحميل



تشغيل

صوتي