مميز

السلسلة: مع البوطي في قضايا الساعة

المدرس: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 20/01/2013

الحلقة الثامنة: علماء السلطة

التصنيف: فقه عام

علماء السلطة
توطئة حول مصطلح علماء السلطة:
هو مصطلح جديد صار متداولاً حديثاً وفي تراثنا الإسلامي تعبير أشمل منه وهو علماء السوء، يقول أحدهم:
يا علماءَ السُّوءِ يا مِلحَ البلدْ
ما يُصلِحُ الـمِلحَ إذا الـمِلحُ فَسَدْ
ومعناه: العلماء الذين لم يلتزموا بمقتضى علومهم التي انتهلوها وشردوا عن الانضباط باختصاصاتهم العلمية فاتخذوا العلم تُكأةً للدنيا أو أداةً للكسب والمغانم ونحو ذلك، بقطع النظر عن الصلة بالسلطان أو الحاكم.
أما تعبير علماء السلطة فهو أضيق، ويُقصد به العلماء الذين أخضعوا علومهم لخدمة السلطان أو ولي الأمر، ووضعوا نُصب أعينهم مغانم، مراكز، مبتغيات سياسية، ونحو ذلك وعزّ عليهم أن يجدوا سبيلاً للوصول إلى هذه الأهداف إلا سبيل العلم، فاتخذوا من علومهم لدى السلطة وسيلة للوصول إلى مغانم والسبيل إلى ذلك أن يوافقوا ولي الأمر فيما يرون أنه ينشرح صدره له.
أي إذا رأى أحدهم أن ولي الأمر يرى أن الشيء الفلاني ينبغي أن يكون مباحاً أفتى أنه مباح، وإذا رأى أن أمراً يضيق صدر ولي الأمر به ويرى أن هذا ينبغي ألا يكون، يجدون فتوى يفتونه بها توافق مقتضاه، ولو كان ذلك الأمر مباحاً في أصول الشريعة الإسلامية.
هذه الحالة التي يتصف بها فعلاً بعض العلماء هو ما يعبَّر عنه اليوم بــ (علماء السلطة).
كيف ينبغي أن تكون علاقة علماء الدين بولي الأمر:
عالم الدين يجب أن تتصف علاقته بولي الأمر بالأمور التالية:
1- طاعة ولي الأمر في غير معصية، وهذا الحكم ليس خاصاً بل هو عام للناس جميعاً، فعليهم جميعاً طاعة ولي الأمر في غير معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ولكن المعصية التي لا نستجيب لولي الأمر فيها هي المعصية التي يعود وزرها على المأمور، أما المعصية التي يعود وزرها على الآمر، وتنفيذُ المأمور لهذه المعصية لا يُلحِق به شيئاً يجب أن يطيعه فيها.
مثلاً: طلب ولي الأمر ماله، أو أن يأخذ قطعة أرض منه بدون حق، عليه أن يطيعه، فهذا الأمر فيه معصية لكن تنفيذه يعود بالوبال على الآمر الذي هو ولي الأمر، وليس على المأمور، هكذا أمرنا رسول الله r.
لكن عندما تكون المعصية التي يأمر بها ولي الأمر وبالُها عائدٌ إلى المأمور، عندئذ يجب ألا يطيعه.
مثلاً: أمره بشرب الخمر أو بارتكاب الفاحشة أو أمره باقتناص مال زيد من الناس لا يجوز طاعته في ذلك نهائياً.
2- يجب على العالم أن يستجيب لدعوة ولي الأمر إذا دعاه، يقول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ))، وهناك في تراثنا الإسلامي دلائل كثيرة على هذا.
على ألا ينتهز العالم فرصة استدعاءِ ولي الأمر له وذهابه إليه لاستجرار منفعة وفائدة دنيوية، يستجيب لدعوته ويتسامى فوق الفوائد الدنيوية الشخصية التي يمكن أن ينتهزها من هذه الفرصة.
3- يجب على هذا العالم أن ينتهز أي فرصة يتم فيها اللقاء مع ولي الأمر لأي مناسبة ليجعل من هذا اللقاء وعاءً للنصح وللأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ولا يجوز أن يجعله فرصةً لأي أمر دنيوي.
فإذا دعي العالم للقاء ولي الأمر فعليه أن يعتبر أن هذه فرصةٌ قد لا تعود، وعليه أن ينظر ما هو التقصير الذي يلمحه في سلوك ولي الأمر هذا، وما هو المنكر الذي يمكن أن يراه، يجب على ولي الأمر أن ينصحه بالأسلوب الذي أمر الله سبحانه وتعالى به، وقد ذكر العلماء هذه الآداب ومن أبرزهم الغزالي في الإحياء، وغيره.
4- أن يتجنّب طرْقَ باب ولي الأمر، فإذا لم يُدعَ، ولم تكن هناك مناسبة تقتضي وجوده أمام ولي الأمر، فلا ينبغي أن يطرق بابه.
فهذه باختصار هي آداب العالم مع ولي الأمر، حتى لا يكون عالمَ سلطة، فإذا التزم بهذا النهج فيا حبذا.
كيف السبيل لإيجاد الصلة بين العالم وولي الأمر للقيام بالواجب:
الشيء الذي كلّف الله به العالم هو أن ينظر إلى المجتمع الذي هو فيه فإذا رأى منكراً فعليه أن يسعَى جاهداً لإزالته واجتثاثه، وإن رأى معروفاً مهمَـلاً لدى الناس يسعى جاهداً لإحيائه.
أما ما يجري في قصور الأمراء، لا أدري ولا أعلم، فأنا لستُ مكلّفاً بأن أبذل الجهود المختلفة لأطرق باب هذا وهذا وذاك لأفتش وأنظر أليس هناك منكر ينبغي أن أحاول اجتثاثه، ولكن لو فرضنا أنني علمتُ يقيناً أن هنالك منكراً يمارَس، يمارسه ولي أمر المؤمنين وتبيّن أن هذا الذي بلغني صحيح، يجب أن أسعى جُهد استطاعتي بإرسال رسالة له إن أُتيح لي وكان ذلك يفيد.
فإن لم أجد سبيلاً إلى هذا وكان السبيل الوحيد هو طرقُ باب ولي أمر المؤمنين أو رئيس الدولة وغلب على ظني أنني إن طرقتُ بابه وطلبتُ لقاءه أستطيع أن أصل إلى ما أمر الله به، فعندئذ أحاول أن أُدعى إليه، أطلب لقاءه بالوسائل الممكنة، فإن لم يُــتَح لي لا هذا ولا ذاك فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
أي بعبارة أخرى علماء المسلمين مكلّفون بإقامة الإسلام في الأماكن التي يرونها، في الأسواق التي يسيرون فيها، في الأندية التي يغشَونها، لدى الناس الذين يحتكّون بهم، ينبغي أن يحاوروهم وأن يهديَهم، لكن ما ينبغي أن يتطلّع إلى أن يذهب إلى قصر رئيس الدولة لينظر هل هو ينفّذ أو لا ينفّذ أوامر الله، لا ليس مكلّفاً، لكن إذا علم أنه يمارس عملاً محرّماً يجب عليه جاهداً أن يذهب فيدعوَه إلى الله، لم يستطع لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أي كلٌّ في دائرته.
ألا يُغني أن يوجّه العالم نصائحه لرجال السلطة ولأولي الأمر ضمن دروسه العامة وأحياناً هذه الدروس العامة تكون واسعة الانتشار، وخاصةً في عصر وسائل الاتصالات، ألا تُغني هذه الوسائل لتوجيه النُّصح لولي الأمر عبر هذه الدروس التي يخاطب بها عامة الناس؟
هذا الأمر يحتاج لشيء من التفصيل، فهذا يختلف عن ذاك.
فعندما أجلس في مجلس الوعظ: دروسٍ في مسجد أو خطبة جمعة أو نحو ذلك، ينبغي أن يكون الموضوع الذي أطرقه حالَ هؤلاء الناس الذين أحاورهم وأخاطبه وأنصحهم، فإن كانوا تجّاراً، صنّاعاً، عمّالاً، موظفين...
ما هي المنكرات التي توجد في هذه الأماكن والمؤسسات، ينبغي أن أطرق الحديث عنها، وينبغي أن آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر.
أما إن قلتُ في نفسي أنني ألقي خطبةً يوم الجمعة، فلماذا لا أتحدث عن المنكرات التي يتورط فيها المسؤولون، أو رئيس الدولة، وربما تبلغه كلماتي.
هذا غير جائز شرعاً قط.
السبب أني لستُ الآن أمام ولي الأمر، وإنما أنا أمام أناسٍ مشاكلُهم كثيرة ومنكراتهم كثيرة، وأنا مكلَّف - وأنا أرى هؤلاء الناس المتورطين في المنكرات – أن أدعوَهم إلى الله وأحذّرَهم من هذه المنكرات...الخ.
يقول قائلٌ: ولكن رئيس الدولة يفعل كذا والدولة متورّطة في كذا.
والجوب: هو أنني إنما أبلغ رضا الله عزّ وجلّ في هذا الأمر بالطريقة التالية:
1- أحاول أن أصل إلى رئيس الدولة بالطريقة التي ذكرتُها سابقاً، أي أبذل ما أملك في سبيل أن أُستدعى إلي، فإذا جلسْتُ إليه أحدّثه عن هذه المنكرات بيني وبينه، وإذا كان هنالك مسؤولون آخرون في درجة أدنى من درجة رئيس الدولة ، كذلك أطرق باب هذا وهذا وذاك، ألقاهم وأحدثهم عن المنكرات التي تورطوا فيها بالأسلوب المضمَّخ بالحب والغيرة والشفقة كما قلنا، فإذا خرجتُ من عندهم لا أتحدث بذلك قط.
2- عندما أكون عندهم أحدثهم وآمرهم وأنهاهم وجهاً لوجه، فإذا خرجت من عندهم لا يجوز لي أن أجلس فأتحدّث في المناسبات عما قلت في لقائي مع السيد الرئيس أو مع الملك أو مع فلان من أولياء الأمور، أو أتحدّث عما فعلتُه في خطبة الجمعة، هذا مما حذّر منه علماء الشريعة الإسلامية تحذيراً كبيراً، وهو يدخل في الغيبة، وإذا كنتُ مخلصاً في عملي لله عز وجل يقودني الإخلاص للانضباط بهذه الطريقة.
كان الفضيل بن عياض من كبار الصالحين والأولياء الربانيين، وكان هارون الرشيد يحبّه ويستدعيه إليه، فكان الفضيل لا يجلس إليه إلا ناصحاً، واعظاً، آمراً، ناهياً.
فإذا خرج من عنده فَطَمَ فمَه عن الحديث عنه، وإذا وُجد من يحاول أن ينتقص من هارون الرشيد ويُلحِقَ به مذمّة يمنعه من ذلك، وكذلك كان عبد الله بن المبارك.
هذه الناحية مُهــمَلة عندنا اليوم.
هل هذا من أمانة المجالس أم أنه واجب ديني أن يحفظ ما بينه وبين وليّ الأمر من نُصح؟
كِلاهما، هذا من أمانة المجالس والحديث عنه يدخل في الغيبة المحرّمة.
دعكَ من ولي الأمر، إذا كنتُ أعلم أن جاراً لي يمارسُ محرّماً من المحرّمات، مثلاً يشرب خمراً، يرتكب فاحشةً، يأكل رباً، ما الذي يجب عليّ؟
أطرق بابه، أو أرسل إليه أنني أريد زيارته، فأذهب وأجلس إليه مجلسَ ودّ، وأقول له: بلَغَني عنك كذا وكذا، هل هو صحيح؟
إذا كان صحيحاً أقول له: يا أخي أنت مسلم، أنت مؤمن ولك عليّ حقّ، يوم القيامة ستعاتبني أنني رأيتك على المنكر فلم أُنَبِّهْكَ، أسأل الله أن يعافيك من هذا الأمر.
ثم أخرج ولا أتحدّث بشيء عن هذا المجلس، سواءٌ أصغى هذا الشخص أم لم يصغِ، أولاً لـِما تقتضيه أمانة المجلس، ثانياً كي لا أقع في الـغِـيبة، لأن الغيبة هي ذِكْرُكَ أخاك بما يكره في غيبته، فإن قال أحدهم: (أنا لا اكذب هو فعلاً هكذا).
يقول r: ((إن كان فيه ما تقول فقد اغتبتَه، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بـهَتَّه))، ففي كلتا الحالتين لا يجوز.
فإذا كان ذلك غير جائز مع جاري، فمع وليّ أمر المؤمنين كذلك غير جائز.
كيف يمكن أن يوصِل العالمُ نصائحَه لوليِّ الأمر فقد لا يُدعى إليه؟
إذا حاولتُ أن أوصل كلمة الحق لولي الأمر بالوسائل المختلفة، فلستُ مكلّفاً بأكثر من ذلك.
أدعو له بظهر الغيب أن يحرره الله عزّ وجلّ من هذه المعصية، وهذا أدبٌ من الآداب التي نسيتُ أن أذكرها عندما تكلمت عن علاقة العالم بالحاكم، فمن أهم آدابها الدعاء له.
وليس المراد بالدعاء أن أدعو له بطول العمر، بالعافية التامة، بمزيد من الغِنى، بمزيد من الراحة، إنما ينبغي أن أدعو له بالتوفيق لما يرضي الله عز وجل، فأسأل الله عزّ وجلّ أن يزيد قلبه إشراقاً وأن يزيده إيماناً بالله وأن يزيده انضباطاً بحُرُمات الله، وان يسموَ به عن المنكرات.
يقول الفضيل بن عياض: (لو أن لي دعوةً مستجابةً لصَيــَّرتـُها للإمام)، قيل له: (وكيف ذلك يا أبا عليّ)، قال: (متى صَــيَّـرْتُها في نفسي لم تــَــجُــزْني، ومتى صَــيَّـرْتُها في الإمام فإصلاحُ الإمام إصلاحُ العباد والبلاد).
هنا أريد أن أُظهر تعجّبي الشديد وهو عجبٌ لا ينتهي من إخوةٍ يظلّون يرسلون إليّ الاستنكار تلو الاستنكار من الدعاء لوليّ أمر المؤمنين بحجّةِ أنهم لا يحــبّونه أو متضايقون منه!!
يا أخي إنما يأسى على الحب النساء، ما علاقة الحب بمصلحة الدعوة؟
هذا الإنسان فرضه الله علينا شئنا أم أبَينا هو وليّ أمرنا هو يقود مركبة المجتمع، إذن ينبغي أن أسأل الله عزّ وجلّ أن يوفّقه حتى لا نهلك وحتى تكون قيادته سليمة، أي عاقل يقول هذا الكلام.
أنت تركب سفينةً فيها مئاتُ الأشخاص ورُبّان السفينة أمامك يقود، والبحر مائج، والأمواج تتقاذف السفينة يميناً وشمالاً، هل من عاقلٍ لا يدعو لهذا الربّان ويقول يا رب احمِ هذا الربّان ألا يخطئ يا رب!!
ولي أمر المؤمنين هو ربان سفينة المجتمع إن أحبَبْتَه أم لم تحبَّه.
ومن ثَمّ كان الإمام مالك رضي الله عنه شديد الحرص على الدعاء لولي الأمر، الفضيل بن عياض كذلك، وكان هذا شأن التابعين كلهم.
أعود فأقول: إذا لم يُتَح لي أن أصل إلى رئيس الدولة من أجل أن أذكّره بالله آمراً بمعروف ناهياً عن منكر، فأنا لست مكلفاً بنصيحته ولكنني مكلّف بالدعاء له.
ألا يجب على العالِم أن يسعى لنصح ولي الأمر؟
إذا علِم العالـِم أن وليّ الأمر متورطٌ في معصيةٍ ما أو يمارس أمراً خاطئاً عن جهلٍ ويحتاج لمن يذكّره، على العالم أن يسعى للقائه أو يرسل إليه رسالة تذكره بالله تعالى.
كان الإمام النّووي يعيش في عهد الظاهر بيبرس الذي حمّل الناس مزيداً من الضرائب للاستعانة بها على حرب التتار، فأرسل إليه الإمام النووي رسالةً مضمّخةً بالحب فيها أمرٌ ونهيٌ، أي جمع بين الطريقتين وأوضح له أن هذا غير جائز لوجود كمالياتٍ كثيرة في الدولة، فالخدَم والحشم ممنطقون بمناطق الذهب وغير ذلك.
هذه الزيادات والفضول إذا وُضعت في خزانة الدولة وفي خدمة الجيش ثم لم تَفِ بالمطلوب عندئذٍ له الحق بزيادة الضرائب على الناس، وهذه الرسالة موجودة في كتاب للسَّخاوي في ترجمة الإمام النووي، وقد قبِل الظاهر بيبرس هذه النصيحة وعمل بها.
أئمة المسلمين فيما مضى كان بينهم وبين علماء المسلمين تناسب وتناغم، فكما أن العلماء كانوا فيما مضى على مستوىً من الإخلاص لله ومن السلوك الرباني، كان أئمة المسلمين كذلك.
وأنا لا أُحمّل المسؤولين في هذا العصر مسؤوليةَ أن الذين كانوا من قبل كانوا أفضل، فلو أن عالماً كالإمام الغزالي أو محيي الدين النووي كان موجوداً في هذا العصر يخاطب أولياء أمور المسلمين لطأطؤوا له الرأس ودانوا له، لأنهم يرون فيه مظهر الخضوع لسلطان الربوبية والإخلاص لوجه الله عزّ وجلّ، ويرون فيه الإنسان الذي يتمتع بما يسمّيه العلماء (وحدة الشهود)، فلا يشاهد الواحد منهم إلا مولاه وخالقَه، صحيحٌ أنه في مجلس الحاكم لكنه لا يرى إلا الله.
فوجودُ هؤلاء العلماء يسري بالعدوى إلى هؤلاء الأئمة، وتقصير العلماء هو الذي سبّب تقصير الأئمة، الأمر متناغم.
احترام وليّ الأمر واجبٌ من حيث أسلوب المخاطبة وهو مطلوبٌ عُـرْفاً أيضاً فما هي حدود ذلك في ميزان الشريعة الإسلامية؟
رُوي عن عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها أَنَّهَا قَالَتْ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ r أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ " (رواه مسلم)، أي أن نكلّم كل واحدٍ حسب المرتبة التي هو فيها.
فرئيس الجمهورية تبوّأ منزلةً معروفة، إذن ينبغي أن أخاطبه بما يتفق مع هذه المنزلة، والقانون في هذه الحالة هو العُرف، وهذا ما قاله النبي r، فمثلاً أقول له (سيادة الرئيس)، أو أرسل له رسالةً فأقول له: (السيد رئيس الجمهورية)، وإذا كان ملكاً أخاطبه أيضاً بما يُخاطَب به الملوك عُرفاً.
والنبي r عندما بدأ يرسل الرسائل إلى ملوك العالم كان يسأل عن لقب كل واحدٍ منهم لكي تكون الرسالة مُــتوَّجةً به، فأرسل إلى هرقل الروم مخاطباً إياه بــ (عظيم الروم)، وهذا يعني أنه وصف هرقل بالعظَمة وهذا ليس بالأمر القليل، مما دلّ على أن العالِم المسلم إذا خاطب وليّ أمر المؤمنين أن لا ينسى لقبَه.
وهناك من يقول أن العالِم يجب أن يخاطبَ الحاكم باسمه (يا فلان)، ولكن هذا غير صحيح فالنبي r لم يفعل هذا.
أُقيم في الثمانينات حفلٌ بمناسبة دخول القرن الخامس عشر الهجري، في وقتٍ كانت فيه مشكلةٌ بين الإخوان المسلمين والدولة، وطُلِب منّي أن أُلقي فيه كلمة الجامعة بحضور الرئيس حافظ الأسد، فقلت له مُخاطباً: (سيادة الرئيس قائدَ هذه الأمة).
في اليوم التالي أُرسِل إلي انتقاد شديدُ اللهجة لأنني خاطبتُه بــ (قائد الأمة) أي قائد الأمة في سورية، فقلت للشخص الذي كان وسيطاً، وقد بلّغَني أكثر من انتقاد، قلت له: (اسألْهم: ما هو عمله؟ إذا كان له وظيفةٌ أخرى نصِفُه بها، وظيفتُه أنه قائد شئنا أم أبينا، فعقلاً، منطقاً، ديناً، لا يخاطَب الإنسان إلا بالوظيفة التي أقامه الله فيها)، ولن نجد أبلغ من هذا الكلام: أُمرتُ أن أنزل الناسَ منازلهم.
طاعة الأمة لولي الأمر واجبة، وهي طاعةٌ بالحق: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ))، وطاعة وليِّ الأمر للعلماء الناصحين أيضاً واجبة فكيف نوفق بين هذين الواجبَين الـمُتواجهَين.
يعني إذا تصادم أمرُ الحاكم مع أمر العالِم فهل يجب على العالم أن يطوي توجيهه ليطيع ولي الأمر، أم على ولي الأمر أن يطوي أمره هذا ليطيع العالم؟
الواقع أن الحل يكمن في ميزان الشريعة الإسلامية التي تقول: (لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق)، فننظر إلى هذا الأمر الذي اختلف فيه رئيس الدولة مع العالِـم ونعود إلى أحكام الشريعة الإسلامية، فإذا وجدنا أن هذا الأمر مما يحرّمه الله عزّ وجلّ ويحذّر منه، وأن العالِم إنما يبلّغ وليَّ الأمر و يبلّغ الناسَ شرعَ الله عز وجلّ، فعلى وليّ الأمر أن يكون هو المطيع في هذه الحالة، والطاعة في الحق، أما إذا كانت المسألة اجتهادية لا نصَّ فيها من القرآن أو السّنّة، وكان ولي الأمر من ذوي البصيرة العلمية وله الحق أن يجتهد فالأمر عندئذ داخلٌ في أحكام الإمامة أو ما يسمى بالسياسة الشرعية والقرار فيه يعود لولي الأمر، ويجب على العالم أن يطيع وليَّ الأمر فيه.
فالأحكام التبليغيّة التي نص عليها الشارع نرجع فيها لكلام العالم المخلص البصير في تمسكه بهَــدْي الله عزّ وجلّ.
إذن يتضح من هذا الكلام الفارقُ بين العالم الذي يُـسمَّى اليوم عالمَ سلطة، والعالِم الذي يَـــبَرُّ اللهَ عزَّ وجلَّ ويلتزم بأوامره سبحانه وتعالى ولا يستجيب إلا لحُكم الله، فالفرق أصبح واضحاً.


تشغيل

صوتي