مميز

السلسلة: الجهاد في الإسلام - تسجيل قديم

المدرس: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 10/11/1997

الدرس الثالث: مسؤولية الدعوة - ضوابطها وأهدافها

التصنيف: فقه عام

تذكرة بالدرس السابق حول موضوع الحرية والتكليف، وبيان أهمية ذلك البحث، ففيه حلّ مشكلة مستعصية في بعض الأذهان تجاه معضلة الإكراه على دخول الإسلام بقوة السلاح.
في الدرس السابق تبين لنا أن التكليف مقترنٌ دائماً بحرية الاختيار والإرادة.
هذا الذي تم توضيحه في الدرس السابق، يُشكل عليه أمران اثنان.
الإشكال الأول: قد يقول قائل أن الله تعالى حرّم السرقة وأمر الحاكم بأن يعاقب السارق بقطع اليد، وحرّم الفاحشة وأمر الحاكم بأن يعاقب مرتكبها بالجلد أو الرجم، وغيرها... ههنا يوجد نوع من الإكراه ولا يوجد اختيار، فلو كان التكليف دائماً مرتبطاً بالاختيار لكان علينا أن نقول: السرقة حرام لكن إن شئت فاسرق وغداً سيحاسبك الله !!
الجواب على الإشكال الأول: أن الله عز وجل إنما شرع العقاب على مرتكبي هذا النوع من المعاصي بسبب أن فيها عدواناً على حقوق الآخرين، فالذي سرق مال زيد من الناس اعتدى على حقّه في التملك، ولما كانت الشريعة الإسلامية حارسة على حقوق الناس كان لا بد من أن يعاقب السارق لا من أجل أنه عصى الله، فعقاب المعصية يكون يوم القيامة، ولكن من أجل أنه قد أساء إلى الآخرين، فلكي لا ينتشر هذا السلوك في المجتمع يؤدَّب المجتمع كلّه بواحد أو اثنين. ومثل ذلك القذف والزنا (راجع الدرس لتفصيل أكبر) وغيرها من المعاصي التي تنتهك حقوق الآخرين وحقوق المجتمع. أما المعاصي التي تنطوي على هدر لحقوق الله فقط فلم يشرع ضدها أي عقاب زجري عاجل، يستثنى منها الصلاة، فتاركها عمداً يقام عليه الحد إن لم يتب.
جواب آخر على الإشكال الأول: فالملاحق بهذه العقوبات الدنيوية هو ذاك الذي دخل في عهدة الإسلام، أي التزم أوامر الله سبحانه وتعالى عندما دخل في الإسلام، مثل الإنسان الذي تجنس بجنسية دولة من الدول، وهذا يعني أنه وضع نفسه تحت أنظمة هذه الدولة وقوانينها ويلاحق بها. فمن يدخل الإسلام يضع نفسه تحت أنظمته وقوانينه.
الإشكال الثاني: حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي رواه الشيخان: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة...)، فكيف نفهم أن التكليف مقترن مع الحرية، في حين أن رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ...) يعني أمرت أن أجبرهم تحت طائلة القتل بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهذا التكليف قد جاء بالجبر والإلزام !!
الجواب على الإشكال الثاني سيأتي مفصلاً. لكن باختصار وحتى لا تبقى الشبهة حتى ذلك الحين يجيب الدكتور فيقول: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (أمرت أن (أقاتل) الناس حتى يشهدوا ...) ولم يقل: "أمرت أن (أقتل) الناس حتى يشهدوا ..."، فهناك فرق كبير بين كلمتي (أقاتل) و (أقتل)، ولو قال: "أمرت أن (أقتل)" فمعنى ذلك أن الله أمره أن يلحق كل واحد وأن يطلب منه أن يشهد، فإن لم يشهد يقتله. لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أمرت أن أقاتل) وقاتَل على وزن فاعَلَ بمعنى المشاركة، أي أمرت أن أواجه قصد الآخرين إلى إيذائي في مجال الدعوة إلى الله بإيذاء مثله، فإن أرادوا القتل أصدّهم بمثله. وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله في وقته.
مسؤولية الدعوة - ضوابطها وأهدافها:
الدعوة هي البوابة التي تدخل منها إلى الجهاد القتالي، وهي أعظم أنواع الجهاد. وهي من الأهمية بمكان كحجر الأساس في بنيان الجهاد.
اختلط اليوم معنى الدعوة إلى الله بالحركات الإسلامية المختلفة التي ينشط لها الإسلاميون.
كثيرون هم الذين يتصورون أن الدعوة إلى الله والحركات الإسلامية شيء واحد، والحقيقة أن هناك فرق كبير جداً بين الدعوة إلى الله وبين الأنشطة الحركية.
الدعوة تعني أن تبلّغ الجاهلين والمارقين والفاسقين أمر الله عز وجل وتعرّفهم على دين الله وتناقشهم في مذاهبهم الهدّامة التي يتبنّونها. ولها ركنان، الأول هو الداعي، والثاني هو المدعو أو الطرف الآخر وهو الجاهل أو المنحرف أو الضال أو ...، ولا تتحقق الدعوة أو التبليغ إلا بهذين الركنين.
أما الأعمال والأنشطة الحركية فهي تختلف كل الاختلاف عن الدعوة، فهي أن يأتي مجموعة من المسلمين المتحرقين على الإسلام الذين يرغبون بأن ينهض المجتمع الإسلامي على دعائم هذا الدين وأن يستظل بالحكم الإسلامي، فيتلاقون فيما بينهم (طرف واحد يعني) فيتحدثون عن أفضل منهج لإقامة المجتمع الإسلامي، ويتحدثون عن كيفية الوصول إلى الحكم، وعن كيفية تنشيط هذه الجماعة، وعن الخطط التي ينبغي أن ترسم لترسيخ وجودٍ أفضل لهم. هذه الأعمال هي التي تسمى الأعمال الحركية الإسلامية. ونلاحظ أن هذه الأنشطة يقوم بها طرف واحد وهم طرف المسلمين الملتزمين الواثقين المقتنعين بالإسلام... أي لا يوجد طرف آخر يُدعون إلى الإسلام.
ليس المقصود من هذه المقارنة تبيين الأفضل، إنما المقصود هو تبيين الفرق بينهما، ولا شك أن الأنشطة الحركية جيدة والمجتمع بحاجة إليها، لكنها لا تغني عن الدعوة إلى الله أبداً، بل الدعوة هي الأساس.
مجتمعاتنا اليوم فقيرة في مجال الدعوة بمقدار ما هي غنية بالأنشطة الحركية. ابحث بين المجتمعات الإسلامية عن أناس يطرقون أبواب الفاسقين والتائهين ويجلسون إليهم ليحاوروهم ويعلموهم دين الله، وابحث عن مسلمين يذهبون إلى القرى النائية حيث الجهل المعشش في أذهان الناس بالإسلام، لن تجد. قلّ أن تجد أناساً يفعلون كما فعل أصحاب رسول الله عندما كان يرسل السرايا إلى هنا وإلى هناك ليُعرّفوا الناس بالإسلام. وفي الحقيقة هناك أفراد يقومون بهذا العمل، أما كفئات فلا يوجد (على حد علم الدكتور) إلا (جماعة التبليغ) تقوم بواجب الدعوة (راجع الدرس للتعرف على بعض نشاطاتهم حيث كانوا يذهبون إلى الشاردين حتى في أماكن لهوهم ليعظوهم). في حين أن الحركات التي تنشط في دائرة الإسلاميين فقط كثيرة جداً.
هذا هو واقع الدعوة اليوم، في حين أن المبشرين وأمثالهم ينشطون النشاط الكبير ترفدهم الأموال ووسائل تقنية كثيرة، يتجهون إلى قرى يسودها الجهل ولسان حال أهل هذه القرى ينادي: تعالوا يا أيها العلماء ويا أيها الدعاة عرّفونا على إسلامنا، لكن بدلاً من أن يستجيب لهم هؤلاء الحركيون يجدون في وجههم المبشّرين، يأتون إليهم ويكرمونهم ويطبّبون مرضاهم ويحسنون إليهم، وطبعاً الإنسان إذا وجد الإكرام تفتّح القلب. وللأسف فإن الدعاة غائبون بشكل عجيب ومشغولون بأنشطتهم الحركية.
سأل الدكتور قيادياً لإحدى الجماعات: لماذا لا يجدكم المسلمون الجهال التائهون في الأماكن والأسواق والمساجد لتجذبوا الناس والشباب إلى الإسلام وتعلموهم دين الله عز وجل، بينما أنشطتكم في البيوت ومع أمثالكم فقط وتبتعدون البعد الشديد عن ملحد أو جاهل أو فاسق؟ ورسول الله كان يجتمع مع أولئك الناس، لماذا؟ أجابه: الدعوة إلى الله لا فائدة منها الآن، هذا ينبغي أن نرجئه إلى أن نصل إلى الحكم، عندما تُقام الدولة الإسلامية عندئذ تتحقق الثمرة المرجوة للدعوة وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر !!
إن منطق هذا القيادي معكوس، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (كما تكونوا يولّى عليكم) ولم يقل: "كما يولّى عليكم تكونوا" !! والحاكم عندما يصل إلى الحكم والناس غير مقتنعين بالإسلام لا يستطيع أن يجرّهم جراً إليه، فالشبهات لا تزال إلا بالحوار والإقناع وسبيل هذا هو الدعوة.
الفقهاء دائماً يصدّرون باب الجهاد ببيان أهمية الدعوة إلى الله، فالكل يجعل من عملية الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مدخلاً إلى الحديث عن الجهاد القتالي. (وفي الدرس أمثلة عن أقوال بعض العلماء مثل الإمام النووي والإمام الدردير وابن رشد والإمام البهوتي..)
قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، والواجب على المسلمين أن يدعوا غيرهم ولو على سبيل تقديم كتاب كهدية أو الدعوة إلى مجلس علم.

تحميل



تشغيل

صوتي