مميز

السلسلة: الجهاد في الإسلام - تسجيل قديم

المدرس: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 27/10/1997

الدرس الأول: مقدمة عن الجهاد

التصنيف: فقه عام

النقاط الرئيسية فيه:
بسبب الأحداث التي جرت في ذلك الوقت والاقتتال الذي جرى بين المسلمين في الجزائر وأفغانستان وغيرها من الدول الإسلامية، هذا الاقتتال الذي سمّي زوراً جهاداً، كان لا بد من وقفة لتوضيح أحكام الجهاد الحقيقي الذي جاء به الإسلام ونقله لنا السلف الصالح، ذلك الجهاد الذي يهدف إلى حماية الدعوة الإسلامية وبناء المجتمع الإسلامي السليم، لا الجهاد الذي يدعو إلى القتل وسفك الدماء دون ضوابط أو بضوابط تفرزها العصبيات والأحقاد. بسبب ذلك كانت هذه السلسلة.
منذ القديم كان الأعداء يحاولون الكيد للإسلام، وكانت الأساليب تتطور، ففيما مضى كان الأسلوب المفضل هو أسلوب الهجوم المباشر على الإسلام من الخارج، كأن يوصف بالبعد عن العلم، وبالرجعية.لكن هذا الأسلوب قد فشل فقد تسبب بردة فعل عند المسلمين فعادوا إلى إسلامهم ودافعوا عنه، وهذه الطريقة أصبحت مكشوفة.
اليوم تغير الأسلوب وأصبح الإسلام يحارَب من داخله، حيث يرتدي المكلّفون بمحاربته أقنعة الإسلام ويجنّدون من المسلمين جنوداً معهم، إن بواسطة استغلالهم والخداع لهم، وإن بواسطة شراء أفراد منهم وإن علموا الحقيقة، ثم يحاولون الدخول ضمن دائرة الإسلام ثم العبث به (أي بالإسلام( من داخله وباسم الإسلام.
ذكر الدكتور أمثلة على ذلك منها:
1- دعوى الاعتماد على القرآن فقط وإنكار السنة على اعتبار أن القرآن محفوظ من التحريف وأن السنة فيها الصحيح والضعيف والموضوع، ودخل دعاة هذه الطريقة من باب الغيرة على الإسلام كما يقولون والحرص عليه من التحريف !!
2- دعوى إخضاع القرآن إلى القراءة المعاصرة، حتى يواكب العصر كما يقولون، وهم إنما يريدون بهذا، العبث به وتغيير أحكامه.
3- آخرون يدّعون أنهم أكثر حرصاً على الإسلام وينادون بتجديد الفقه الإسلامي (وهي دعوى حق أريد بها باطل(، وهذه الدعوى هي الوجه الآخر لمقولة أن الإسلام غير صالح لهذا العصر، لكن عندما ينادون بالتجديد فلن يستفزوا المسلمين كما لو قالوا بأن الإسلام غير صالح لهذا العصر.
4- ومن جملة الوسائل، الكيد لأخطر حكم من أحكام الشريعة الإسلامية وأبقاها، وهو حكم الجهاد، فهو أخوف ما يخافه أعداء الإسلام.
في السابق وعندما كان يحارَب الإسلام من خارج دائرته، حاولت بريطانيا أن تقضي على الجهاد عن طريق إحداث فرقة جديدة وهي الطائفة الأحمدية (أو القاديانية) في الهند، التي أعلنت أن الجهاد في هذا العصر قد سقط بوجود هيئة الأمم المتحدة التي تدافع عن المستضعفين، وسقط الجهاد خاصة ضد بريطانيا لأنها الشقيق الودود للإسلام والمسلمين كما يقولون !!
أما في الوقت الحاضر فقد طُوّرت الطريقة للقضاء على الجهاد، وذلك عن طريق وضع صورة مزيّفة للجهاد بحيث تشرئبّ لها أعناق المسلمين جميعاً ويشغلون بها، وأثناء انشغالهم بهذه الصورة المزيّفة للجهاد يتم القضاء على الجهاد الحقيقي. الوثائق التي تؤكد هذه الحقيقة موجودة وهي وثائق أمريكية، والتي صوتها ليس إلا صدى لصوت أسيادها من الصهاينة.
هذه الوسيلة الجديدة ليست بنسخ الجهاد كما كانت القاديانية تدعو، إنما عن طريق إلغاء الجهاد باسم الجهاد. نرفع رايات الجهاد وننادي بالجهاد ونرفع أصواتنا بالجهاد، ويؤخذ الناس بهذا ويطمئنون إلى أن صوت الجهاد مرتفع والجهاد موجود، أثناء هذا الضجيج يتم خنق الجهاد الحقيقي والقضاء عليه.هذا الواقع يدركه من يتتبعون الأحداث ويلملمون الوثائق.
الواجب هو سلوك الطريق العلمي لفضح هذه الطرق (أي طرق الكيد للإسلام)، لكن كل هذه الطرق ليست بخطورة السعي إلى القضاء على الجهاد. فإذا قضي على الجهاد بالطريقة التي نراها اليوم فقد تُوُدّع لهذه الأمة وقد آل أمرها إلى اضمحلال لا رجعة بعده إلى أي تفوق أو تماسك.
هذه الدروس هي لدراسة باب الجهاد في الشريعة الإسلامية دراسة مفصّلة مستوعبة، وهذه الدراسة ستضعنا أمام حقيقة الجهاد ولسوف تضعنا أمام هذه الخطة مفضوحة عارية مكشوفة.
تساءل الدكتور: هل ما يجري اليوم (قلت: أي أثناء إلقاء هذه الدروس واليوم أيضاً) في الجزائر وأفغانستان وداخل أي دولة إسلامية بين المسلمين بعضهم مع بعض يدخل في باب الجهاد، وقد وُصف أنه جهاد؟إن كان اسمه جهاداً فعلينا أن نخطّئ كلام الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فقد تهدد الله عز وجل هذه الأمة أن يأتي يوم من الأيام يكون عقابها أن يذيق بعضَ أفراد هذه الأمة بأس بعض، حيث قال في سورة الأنعام: "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يَلبسكم شيعاً ويذيق بعضَكم بأس بعض، انظر كيف نصرّف الآيات لعلّهم يفقهون"، والله لم يسمّ هذا جهاداً بل سمّاه شيئاً آخر. كما دعا رسول الله عليه الصلاة والسلام أن لا يجعل الله بأس هذه الأمة بينها، فلم يُستجب دعاؤه، وأوحى الله إليه أن يجعل عقابَ هذه الأمة عند الانحراف أن يذيق بعضها بأس بعض، إذن هو عقاب وليس جهاداً.
لا بد من دراسة الجهاد دراسة موضوعية دقيقة ودفع الشبهات التي قد تعلق ببعض المسائل، على أن لا ننطلق إلا من خلفية واحدة تتمثل في الإخلاص لدين الله والانتصار لشرعة الله والوعي الذي يبصرنا بالواقع الذي نحن فيه الآن وبالخطط والمكائد التي تدور من حولنا، وينبغي أن نكون أبناء عصرنا.
العالم العربي مستهدف، وهذه البقعة المباركة (ويقصد الشام وكلامه هذا منذ 16 سنة) مستهدفة أضعاف البقاع الأخرى وينبغي أن نعلم هذه الحقيقة.
سنبدأ بدراسة صورة هيكلية موجزة للجهاد، ثم نعود فندخل في هذا الهيكل ونشرحه شرحاً تفصيلياً، ذلك لأن كثيراً من الإخوة بمقدار ما سمعوا بالجهاد، فُقَراء بمعرفة أحكامه.
استقر في أذهان كثير من المسلمين في هذا العصر أن كلمة الجهاد حيثما أطلقت إنما يراد بها معنى واحد، ألا وهو الجهاد القتالي، أي أن يحمل الإنسان سلاحاً ويخرج فيقاتل، والواقع أن هذا نوع من أقدس أنواع الجهاد عندما تتحقق شروطه ويتحقق ظرفه، ولكن هل الجهاد محصور بهذا المعنى؟
الجهاد هو بذل الجهد أياً كان نوعه في سبيل الانتصار لدين الله عز وجل. مثل بذل اللسان دعوةً لدين الله، وبذل المال في سبيل الانتصار لدين الله، وخروج الإنسان واقتحامه المخاطر من أجل إبلاغ كلمة الله، كل هذا جهاد. وحمله السلاح ودفاعه عن دين الله لنشر كلمة الله في الآفاق وفي القلوب أيضاً جهاد.
وقد ثبت أن كلمة الجهاد كانت مستعملة عندما كان رسول الله عليه الصلاة والسلام في مكة، أي قبل الهجرة، ولم يكن الجهاد القتالي قد شرع بعد، والأدلة كثيرة في القرآن، إذن حكم الجهاد كان موجوداً في مكة، وهو الجهاد التبليغي الذي يحتاج صبراً كبيراً.
جهاد الدعوة واللسان هو الأساس والمنطلق للجهاد القتالي وهو (أي جهاد الدعوة والحوار) بوابة الجهاد الكبرى، لأننا عندما نُدعى إلى الجهاد في سبيل الله لا نتسرب إلى حمى المشركين قبل أن نكلمهم ويعلموا، وجهاد الدعوة سيكلف صاحبه جهداً كبيراً وعنتاً شديداً فسيجد من يضربه ويسخر منه ويطرده، والمطلوب الصمود أمام هذا كله.

تحميل



تشغيل

صوتي