مميز

السلسلة: تاريخ التشريع الإسلامي

المدرس: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 14/05/2010

10- مدرسة الحديث في الحجاز ومدرسة الرأي في العراق

التصنيف: علم تاريخ التشريع

الدرس العاشر: مدرسة الحديث في الحجاز ومدرسة الرأي في العراق


خلاصة الدرس 10 تاريخ التشريع الإسلامي

الظواهر الثلاث التي تميز بها الدور الثالث استلزم نتيجة رابعة وهي وجود تيارين – من العلماء- أحدهما في الحجاز وهو الذي سمي بمدرسة الحديث والآخر في العراق وهو الذي سمي بمدرسة الرأي أي مجموعة علماء من الصحابة ومن التابعين تميزوا باجتهاد الرأي, في حين كانت هنالك ثلة كبيرة من العلماء متمركزين في الحجاز عرفوا بمدرسة الحديث.

كانت مدرسة الحجاز تعتمد دائماً على النص ولا تتجاوز النص إلى الرأي الاجتهادي إلا عند الضرورة القصوى لذلك سميت بمدرسة الحديث, والمدرسة التي كانت في العراق كان اعتمادها في الغالب على الرأي ولا تجنح إلى النص إلا بعد اليقين التام بأن هذا النص الصحيح وبأن النبي عليه الصلاة والسلام فعلاً قد قاله.

أما عوامل ظهور مدرسة الحجاز هي :

أولاً غناهم بالحديث وكثرة وجود حفاظ الحديث فيها .

ثانياً قلة المسائل والمشاكل والأمور الحديثة وبقاء الأمور نسبياً على ما كانت عليه في عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام فلم يكونوا بحاجة ماسة إلى الاجتهاد في الرأي.

ثالثاً تهيب هؤلاء العلماء - علماء الحجاز - من الاقتحام إلى الأحكام الشرعية دون دليل من النص فلم يقتحموا أبواب الاجتهاد والرأي حفظاً على الحديث والقرآن, هذا إلى جانب أن درايتهم بقواعد استنباط الأحكام من النصوص لم تكن قد نضجت بعد, فلم يتمرسوا بعد على أصول الاجتهاد ودعائمه وشروطه

عوامل جنوح علماء العراق للرأي..؟

أولاً: قلة الأحاديث التي بوسعهم أن يعتمدوا عليها فقد كانت الأحاديث الكثيرة في الحجاز حيث النبوة أما علماء العراق فقد كانوا فقراء بالنسبة لعلماء الحجاز بالنسبة للحديث.

ثانياً : ظهور الكذابين على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العراق اضطرّ هؤلاء العلماء أن يحتاطوا في الرواية.

ثالثاً: كثرة المشاكل والأمور المستجدة لأنها لم تكن بلاد إسلامية وإنما دخلها الإسلام وانتشر فيها.

رابعاً: هذا الوضع الذي كانوا يعيشون فيه جعلهم يتمرسون بطرق الاجتهاد بالرأي وبقواعد استنباط الأحكام من مصادرها فقد لا يكون فيها نصوصاً هناك شيئاً اسمه ( الاستحسان وسد الذرائع والاستصلاح) وهذه كلها كمصادر للتشريع دلّ عليها بشكل إجمالي كتاب الله تعالى.

الجامع المشترك بين المدرستين _ مدرسة الرأي والحديث_ :

أما ما يلتقيان عليه: إتباع النص في حالة وجوده إذا استوفى شروطه وهي ثبوته ثبوت يقيني قطعي و دلالة واضحة أكيدة وقوة السند في الحديث الشريف ، ثم يفترقان بناءً على طبية بيئة كل منهما فبيئة الحجاز تختلف عن بيئة العراق.

وإلا فهم يضطرون للتفكير واعتماد القياس وذلك في أضيق الحالات وأحوجها.

من بعض علماء أهل الحديث:

- عطاء بن أبي رباح في مكة، وفي العصر الأموي كان الخلفاء ينادون ألا يفتينّ الناس إلا عطاء بن أبي رباح في موسم الحج ويُلزمونهم بالأخذ منهم فقط.

- سعيد بن المسيِّب في المدينة المنورة وكان من أجل علماء المدينة وأكثرهم ورعاً ومن المكثرين للرواية عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

بعض علماء أهل الرأي:

- إبراهيم بن زيد النَّخعي.

- الحسن البصري وهو من علماء البصرة وكان مرجعاً كبيراً في العقيدة والفقه وفي الرواية عن رسول الله عليه السلام وكان ورعاً وكان من نبلاء الفقهاء والعلماء.

- مكحول الشامي والإمام الأوزاعي في الشام.

- من الأمور التي تجلّت في أواخر الدور الثالث تدوين الحديث وحمايته ألم نقل إن الكذب انتشر على رسول الله في تلك الفترة فماذا صنع علماء الحديث لحمايته من ذلك ..؟

بني العباس اشتهروا بخدمة الدين وبحماية الحديث وقاموا بثورة علمية لا شك فيها. من الأعمال الجليلة والتي ساهمت في سد الفجوة هي: تدوين الحديث في مصنفات ولم تكن تسمى صحاح أو مسانيد .

وكان أول من قام بذلك الإمام أبو بكر ابن حزم أخرج أول مدونة في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام بالرواية والإسناد وكانت مدوّنته هذه موثوقة وكانت عبارة عن سجل يحوي لأول مرة شيئاً مكتوباً يثق الناس به وأن ما فيها هي الأحاديث الصحيحة التي رويت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ويعرف ذلك بالرواة المذكورين المعروفين ولم يكن الفاصل بين رسول الله عليه السلام بفاصل زمني طويل.

والمدونة الأخرى التي ظهرت في أواخر الدور الثالث مدونة (الموطأ) للإمام مالك فقد طلب منه أبو جعفر المنصور أن يدون كل ما يعرفه من حديث رسول الله عله الصلاة والسلام وقال له: وطّئه توطيئاً .. والفرق بين هذه المدونات والمدونات التي جاءت من بعد والتي سنتحدث عنها في الدور الرابع أن هذه المدونات التي ظهرت في الدور الثالث امتزج فيها الأحاديث في الأحكام الفقهية فأنت إذا قرأت مثلاً الموطأ رأيت الإمام مالك يروي حديثاً إثر حديث إثر حديث ثم يذكر لك أحكاماً من أحكام الشريعة الإسلامية.

فهذه المدونات إن مدونة الإمام مالك أو مدونة الإمام ابن حزم جمعوا فيها بين الحديث رواية وبين الأحكام الفقهية فتوى.

ومن هذه المدونات أيضاً المدونة التي قام بها سفيان بن عيينة أخرج ما سماه ( الجامع في السنن والآداب)

كذلك المدونة الرابعة في هذا العصر التي قام بها سفيان الثوري أخرج ما يسمى ( الجامع الكبير في الفقه والحديث).

هذه المدونات التي ظهرت في أواخر الدور الثالث من أدوار التشريع كانت مقدمة الإحاطة بأحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام واستخلاصها من أيدي المارقين والمتربصين بكلامه صلى الله عليه وسلم.

ففي الدور الرابع سنجد أبرز مظاهر هذا الدور أن علماء الشريعة الإسلامية بالتعاون مع علماء الحديث وبالتعاون مع خلفاء بني العباس قاموا بنخل هذه الأحاديث وإبعاد المنكر والموضوع وتصفيتها من كل ذلك ثم ظهر مزيد من الوسائل ومن الأسباب التي جعلت حديث المصطفى عليه السلام يتسامى فوق كيد الكائدين.

لكن في تلك الفترة أيضاً وجد من أخذ ينشر وينثر معتقداً خلاصته أن الشريعة الإسلامية تؤخذ من القرآن فقط والسنة ليست من الشريعة الإسلامية, لكن سرعان ماقضي على هذا وكان الذي قضى على ذلك الإمام الشافعي عندما أخرج كتابه (الرسالة) جعل الله سبحانه وتعالى من هذا الإمام وما كتب وقاية لهذا الدين العظيم.

تحميل



تشغيل

صوتي