مميز

السلسلة: تاريخ التشريع الإسلامي

المدرس: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 26/04/2010

8- خصائص الدور الثالث: الخاصة الأولى: ظهور الفرق

التصنيف: علم تاريخ التشريع

الدرس الثامن: خصائص الدور الثالث: الخاصة الأولى: ظهور الفرق


خلاصة الدرس8: تاريخ التشريع.

يمتاز الدور الثالث بثلاث خصائص:

الأولى: ظهور الفرق الإسلامية التي لم تكن موجودة في الدور الثاني ولا في الدور الأول الثانية: أن الصحابة في هذا الدور بدأوا ينتشرون في البلاد العربية التي تم فتحها

الثالثة : كثرة الرواية عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بدون ضبط للرواية .

الرابعة : هي ظهور ما يسمى بمدرستي الحديث في الحجاز والرأي في العراق .

وسنتحدث عن هذه الخصائص الأربعة وأولها ظهور الفِرق ولن نتحدث عن سائر الفرق فلا شأن لنا بهذا, لكننا سنتكلم عن فئتين ظهرتا في هذا الدور و للحديث عنهما صلة قوية في موضوعنا وهو تاريخ التشريع الإسلامي .

الخوارج والشيعة.. اشتبكت الحرب بين جيشي معاوية وعلي رضي الله عنهما في معركة صفين من بلاد الشام واشتد أوارها في الواقع ولن نتحدث الآن عن سبب ذلك لكننا نريد أن نتحدث عن نشأة الخوارج كيف نشؤوا وما هو سبب نشأتهم .

عندما رأى جيش معاوية رضي الله عنه أنهم ربما سيبوؤون في بالفشل أو الإخفاق جنحوا إلى خطة فرفعوا المصاحف على الرماح إعلاناً منهم بالرغبة في الهدنة , سيدنا علي فكر في الأمر فرأى أن يحقن الدماء وأن يستجيب لهذه الهدنة التي لا يعلم خلفياتها لكن أصحابه انقسموا إلى فريقين فريق مؤيد وفريق آخر غير مؤيد .

القسم الكبير كانوا مؤيدين لسيدنا علي رضي الله عنه لكن القسم الآخر رغبوا عن هذه الهدنه وتوجسوا خيفة منها ولكن سيدنا علي رضي الله عنه استجاب لرأي الأكثرية وقبل بالهدنة. هؤلاء الذين انسلقوا عن سيدنا علي رضي الله عنه وغضبوا لعدم التفاته إلى رأيهم و انقياده لرأي الأكثرية هم الذين سموا فيما بعد بالخوارج وسمي الذين أحدقوا به وأيدوه آنذاك بالشيعة لكن مسمى هذا الاسم لم يتبلور ولم ينضج ولم تتجلّى مبادئه إلا فيما بعد .

وإلى جانب هاتين الفئتين كان جمهور المسلمين السواد الأعظم ( أهل السنة والجماعة ).

وهكذا شيئاً فشيئاً أصبح لكل من فئتي الخوارج والشيعة منزع ديني خاص ورؤى اجتهادية خاصة بهم سواء فيما يتعلّق بالعقيدة أو بالأحكام .

الخوارج: هم في بادئ الأمر كانوا مؤيدين لسيدنا علي ثم إنهم انشقوا عن التأييد وكانت رؤيتهم اجتهادية فقط لكن العصبية تغلبت فيما بعد ووجدوا أن سيدنا علي لم يخطئ فقط بل ارتكب معصية كبرى لقبول الهدنة التي رفع شعارها معاوية رضي الله عنه, عندئذ عندما تجلت العصبية في كيان هذه الفرقة وكانت هي التي تقود وهي التي توحي إليهم بمواقفهم تبنوا هؤلاء الناس أفكاراً وعقائد ورؤى فقهية مستقلّة جعلت لهم شخصية متميزة , أولاً ساقتهم العصبية إلى لا استنكار ما فعله سيدنا علي بل إلى التخلص من سيدنا علي رضي الله عنه فقتلوه ثم إنهم انطلقوا من رؤى اجتهادية خاصة بهم وعقائد متميزة عرفوا بها, نذكر الآن خلاصتها بالقدر الذي يتعلق بموضوعنا في تاريخ التشريع .

أولاً: قرروا أن مرتكب المعصية يكفر إلا ان يتوب فالتوبة تمحو أثر كفره لا ذنبه , وبما أن سيدنا علي بنظرهم قد ارتكب معصية في جنوحه إلى الهدنة كفروه وبرروا قتله على هذا الأساس بل كفروا كثيراً من الصحابة أيضاً الذين أيدوا سيدنا علي رضي الله عنه .

ثانياً: وجوب الخروج على الإمام العاصي أياً كان ما دام قد انحرف عن الجادة في نظرهم ولا يكفى النصيحة له ولا التقدم إليه بالتذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل يجب الخروج عليه .

ثالثاً: الطاعات التي فرضها الله على عباده المسلمين جزء لا يتجزأ من الإيمان فالصلاة التي أمر الله تعالى بها المسلمين والصوم والزكاة و و و.. ولذلك لو أن الإنسان ترك طاعة من هذه الطاعات الواجبة فقد اهتز ركن الإيمان ومن أجل ذلك يكفرون الإنسان بالمعصية .

رابعاً: قولهم بأن المجتمع الإسلامي لا يحتاج إلى إقامة دولة ولا يحتاج إلى وجود إمام للمسلمين ذلك لأن شعارهم هو لا حكم إلا لله وإذا وجد إماماً للمسلمين وإذا وجد إماماً للمسلمين يحكمهم يكون هذا الإمام بتصورهم شريكاً لله تعالى في الحكم ولذا فلا داعي إلى إمام للمسلمين .

ثم إن هناك فئات تفرعت من الخوارج ولعل أشدهم تطرفاً - الحروريون - ولكن هؤلاء فيما بعد سادوا بعد أن بادوا ولعل فئة واحدة بقيت منهم إلى الآن وهي الفئة التي تسمى - بالإباضية – ويقيمون أكثرهم في شمال إفريقيا الآن ولكن هذه الفئة هي أقرب إلى الاعتدال , فهذا التطرف والشذوذ الذي كان معروفاً بالخوارج القدامى هم بعيدون عنه وهم قريبون في الحقيقة من أهل السنة والجماعة .

الشيعة:

نواة الشيعة نشأت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما اجتمع أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم يبحثون في الخليفة الذي ينبغي أن ينصب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لكن هذه النواة دفنت عندما تم إجماع المسلمين في تربة الإجماع ولم يعد يظهر لمعنى التشيع أي صدى نهائياً لا في عهد سيدنا أبو بكر ولا في عهد سيدنا عمر ولا في عهد سيدنا عثمان ولا في عهد سيدنا علي إلا بعد معركة صفين بمدة أيضاً, لكن عندما كانت معركة صفين وحصل هذا الذي ذكرناه مما لا نريد إعادته استيقظت مشاعر التشيع لسيدنا علي رضي الله عنه وعادت النواة التي دفنت في تربة الإجماع ردحاً من الزمن تتغذّى. فبعد معركة صفين عادت نواة التشيع تتغذى وتنامت ثم تنامت ووجدت في هذا الدور ما يسمى بفرقة الشيعة

تتلخص أفكارهم التي ميزتهم عن غيرهم في النقاط التالية :

أولاً: اعتقادهم أن الخلافة ليست من الأمور التي يتم البحث عنها عن طريق الاجتهاد والشورى وما إلى ذلك بل الخليفة لا بد أن يكون منصوصاً عليه إن في القرآن أو السنة .

ثانياً: الخليفة لا بد أن يكون معصوماً عن ارتكاب أي إثم كشأن المصطفى صلى الله عليه وسلم وهذا التصور أيضاً جاء أخيراً بعد وفاة سيدنا علي رضي الله عنه.

ثالثاً: اعتقاد أن كل من سبق علياً بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام غاصب للخلافة وللحق الشرعي لأن الخليفة الذي كان يجب أن يكون بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام هو سيدنا علي رضي الله عنه والاجتهاد والشورى غير وارد لأن المسألة مسألة نص فهم يعتقدون أن هنالك نصاً على ذلك , لكن المهم أن تعلموا أن هذه المعتقدات ولدت في رؤوسهم بعد وفاة سيدنا علي رضي الله عنه.

رابعاً: ومن معتقداتهم أن الخلافة بعد سيدنا علي رضي الله تعالى عنه ينبغي أن يكون لأكبر أولاده من السيدة فاطمة وهو الحسن رضوان الله عليهم , لكن سيدنا الحسن لم يكن مهتماً بعد بالخلافة ولذلك تنازل عنها لمعاوية رضي الله عنهم , وسكت الشيعة آنذاك إلى أن توفي معاوية وتبوأ عرش الخلافة من بعده ابنه يزيد عندئذ هاجت الشيعة وغيرها ورشح سيدنا الحسين وتقدم للخلافة والذي حصل أنه قتل في كربلاء , فهذه باختصار خلاصة معتقدات الشيعة لكن لما قتل سيدنا الحسين انقسم الشيعة إلى فئات كثيرة .

تحميل



تشغيل

صوتي