مميز

الفتوى رقم #32849

التاريخ: 02/06/2012
المفتي: الشيخ محمد الفحام

مفهوم القيام في نهاية المولد عند أهل الفهم والذوق

التصنيف: الرقائق والأذكار والسلوك

السؤال

ما حكم القيام في نهاية المولد النبوي الشريف ؟ وهل ما يقوله بعض الناس أن هذا القيام لأجل دخول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المجلس صحيح ،، أرجو منكم حسم هذه المسألة ؛ لأنها كثر فيها الخوض من الجهال والمتقولين الذين يرمون غيرهم بالجهل ويتهمونهم بالمبتدعة // على الأقل هذا في بلدي ،، حفظ الله أوطانكم منهم ، ومن جميع المؤذين .

الجواب

أقول ابتداءً ليت أنَّنا نُكرَمُ بحضور أنوار الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم علينا كلَّ مجلس، واللهِ هذا مُبتغَى كلِّ مُحِبٍّ يُذْكُر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه وعرض سيرته الشريفة وحديثه الزاكي وهديه المنيف ومكارمه العلية.
غيرَ أن أحداً لا يملك ادَّعاء ما ليس فيه، فإنَّ ما ذكرتَ لا يُراد منه وبه إلا الفتنة والتقليل من شأن ما عليه المحبُّون من أمر إجلالهم لنبيِّهم الأعظم صلى الله عليه وسلم كُلَّما ذُكر. فإن أمر القيام في الموالد ما هو إلا للتعظيم له عليه الصلاة والسلام.
أما أمْرُ دخولِه المجالس صلى الله عليه وسلم وأنهم لا يقومون إلا لأنه دخل مجلسهم فهذه قضية لا تُدّعى ولا تُخْتَرع.
وتسألُني وهل يُعَظَّمُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في غيبته أو بعدَ وفاته؟؟!
والجواب: ارجع إلى ما كان عليه الصدر الأول من السلف الصالحين من الأحوال الجليلة إذا حُدَّثوا بحديثه صلى الله عليه وسلم أو صَلَّوا عليه كيف تظهر آثارُ الإجلال والإكبار لمَن ذُكر وكأنهم بين يديه صلى الله عليه وسلم لعِلْمِهم جميعاً أنَّ حرمَته بعد موته كحرمته في حياته فإن انتقاله لم يَنْقُصْه قدرَه الشريف.
يقول القاضي عياض في الشفا: واعلم أنَّ حرمةَ النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وتوقيرَه وتعظيمَه لازمٌ لما كان في حال حياته، وذلك عند ذكره عليه الصلاة والسلام وذكر حديثه وسُنَّتهِ وسماع اسمه وسيرته...
ثم ذكر شواهد عدة عن السلف منها؛ ما رواه مصعبُ بن عبد الله قال: كان مالك _أي ابن أنس_ إذا ذَكَرَ النبي صلى الله عليه وسلم يتَغيَّر لونُه وينْحَني حتى يَصْعُبَ ذلك على جلسائه فقيل له يوماً في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيتُ لما أنكرتم عليَّ ما ترون ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر _وكان سيدَ القُراء_ لا يكاد يسأله أحدٌ عن حديث أبداً إلا يبكي حتى نرحمه...
ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم -بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه- يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيُنْظَرُ إلى لونه كأنه نزفَ منه الدم، ولقد جفَّ لسانُه في فمِه هيبةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمْرُ القيام عند ذكره عند أهل الفهم والحب هو نوع تعظيم، وما سمعتُ مِمَّن رأيت من أهل العلم والفقه والصلاح في بلادنا أنهم كانوا يقومون للعِلَّة التي ذكرتَ بل كانوا كثيراً ما يترنمون عند سماعهم المنشدَ لمولدِ البرزنجي وهو يقول:
وقد استحسن القيامَ عند ذكر مولده الشريف أئمةٌ ذوو روايةٍ وروية
فطوبى لمن كان تعظيمُه صلى الله عليه وسلم غاية مرامِه ومَرْماه.
وأما اعتقادنا بحياته البرزخية فأقول ما قالَه أهلُ العلم:
فنحن نعتقد أنه صلى الله عليه وسلم حيٌّ حياةً برزخية كاملة لائقة بمقامه، وأنَّ روحَه جوَّالة في ملكوت الله سبحانه وتعالى، ويمكن أن يحضُر مجالسَ الخير، وكذلك أرواحُ الأولياء والصالحين من أتباعه وفي كتاب الروح لابن القيم قال مالك: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت
قلت: فكيف بأشرفِ الأرواح وأكرمِها عند الفتاح لسيِّد المِلاح مَن عِطْره بذكره بين أهل الحب والبصيرة فواح؟؟! (يختص برحمته من يشاء).
ومع ذلك فأمر القيام في أصله عند مَن يقومون من أهله للتعظيم الواجب الذي ما ينبغي إنكاره وأما عين العمل فلم يأمر به أحدٌ أحداً أمرَ سُنَّةٍ أو واجبٍ، ولكنه تعبيرُ المحبِّ عمَّا يعتلج في قلبه قِبَلَ محبوبِه كلَّما ذُكر، ولعل الشاهدَ الآتي يزيدُنا وضوحاً
في السيرة الحلبية للشيخ برهانِ الدين الحلبي الشافعي قال: وقَد وُجدَ القيام عند ذكرِ اسمه صلى الله عليه وسلم من عالم الأُمَّةِ ومقتدى الأئمة ديناً وورعاً الإمامُ تقي الدين السبكي اجتمع عنده جمعٌ كثير من عُلماء عصرِه فأنشد قولَ البوصيري في مدحه صلى الله عليه وسلم:
قليلٌ لمدح المصطفى الخطُّ بالذهب على ورقٍ من خطِّ أحسنِ مَن كتب
وأن تنهض الأشراف عند سماعه قياماً صفوفاً أو جثيّاً على الركب
فعند ذلك قام السبكي رحمه الله وجميع مَن في المجلس فحصل أنسٌ كبير بذلك ويكفي مثل ذلك في الاقتداء.
لذلك أختم بلفتِ النظر إلى أنَّهُ كثيراً ما يُتَّهم مَن يُتَّهم بمفهومٍ مغاير للحقيقة وأصحابُه منه براء وشكري الجزيل للسائل حيث استوضح للتنبيه فما أحوجَنا إلى إعذارِ بعضنا بمنطق الأدب في السؤال لمدلول العلم الصحيح لا سيما في زمن كثرت فيه الأغاليط واختلطتْ المفاهيم..