خريطة الموقع اتصل بنا من نحن الرئيسية
بحث
naseem al sham
  .:.   حال من اغتنم شهر رمضان وحال من فرط به/ خطبة للإمام الشهيد   .:.   العلامة الشامي صاحب الحاشية ابن عابدين | تراجم  .:.   التأمين التعاوني والتأمين التجاري/ بحث للعلامة عبد الله بن بيه  .:.   الصحابي الجليل العِرْباضُ بنُ ساريةَ السُّلَميُّ  .:.   جدول في بيان بعض المقادير الشرعية وما يساويها من الوزن والنقد السوري  .:.   جدول بأوقات برامج العلامة الشهيد التي تبثها القنوات والإذاعات  .:.   الفيلم الوثائقي بعد التعديل: الأزمة السورية بلسان العلامة البوطي  .:.   إعلان هام  .:.   يمكنكم إرسال مقال أو بحث علمي لنشره على الموقع بعد دراسته وذلك من خلال زاوية اتصل بنا  
تراجم و أعلام
عودة
25/03/2010 نبذة عن حياة الشيخ محمد الحجار

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)[التوبة: 119]

     

الشيخ الجليل العابد الزاهد العالم المحقق، بقية السلف الصالح، نزيل المدينة المنورة، والملازم لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم قرابة الثلاثين عاماًً يتعبد فيه بالذكر والعلم والتعليم والتحقيق وتلاوة القرآن الكريم سيدي الشيخ:              محمد محمود الحجار

عرفته طيلة سبع سنوات نهلت فيها من حاله أكثر مما نهلت من مقاله، كان قليل الكلام كثير العمل عظيم الحال.

ولادته ونشأته:

ولد رحمه الله تعالى في حلب الشهباء في حي يقال له ساحة بزة سنة 1920م. من أبوين صالحين تقيين محبين للعلم والعلماء ذوي فطرة شفافة عالية.

دراسته ومشايخه:

تعرّف على الشيخ العارف المرشد الصالح أبي النصر خلف ابن الشيخ سليم خلف الذي كان أيضاً من كبار العارفين المرشدين الذين شاع ذكرهم وانتشر أريج عبيرهم بين كثير من علماء زمانهم، فلزم مجالسه ودروسه في حلب عندما كان يأتي إليها، وأحبه حباً شديداً وتأثر بحاله العظيم، ولطالما توجه إلى مدينة حمص حيث كان يقطن الشيخ أبو النصر لزيارته، وليكحل عينه بمرآه وينهل من إرشاده.

أحب الشيخ الحجار العلم حباً جمّاً والتزم بمدرسة الخسرورية في حلب, التي تعد من أهم مناهل العلم الشرعي آنذاك، والتي تخرج منها أكابر علماء حلب، أمثال الشيخ عبد الله سراج الدين رحمه الله تعالى، ولقد دَرَسَ فيها على أجلاء علماء حلب وتأثر بهم، لاسيما الشيخ عيسى البيانوني، الذي كان بدوره من مريدي الشيخ أبي النصر أيضاً. والشيخ البيانوني شاعر محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمولع بذكره ومديحه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وقد روى عنه شيخنا، الشيخ محمد الحجار الحديث المسلسل بيوم عاشوراء.

وممن أخذ عنهم الشيخ الحجار أيضاً سيدي الشيخ سعيد الإدلبي العارف الصالح والفقيه المتقن، والشيخ العالم سيدي إبراهيم السلقيني الكبير جدّ العلامة الدكتور الشيخ إبراهيم السلقيني مفتي حلب وعميد كلية الشريعة سابقاً،ومنهم سيدي  العالم العامل الفقيه الحنفي المفسر الشيخ أحمد الشماع  ودرس على الشيخ الجليل جميل العقاد الذي كان يدرس في الجامع الكبير بحلب وقد نهل أيضاً عن أجلاء علماء حلب وعارفيها، ومنهم الشيخ راغب الدويري -الذي كان مواظباً للاعتكاف في المسجد حتى وفاته-، وقد علّم شيخنا الحجار دعاءً وهو (يا من بيده الأمر كلّه عبدك محمد محتار دلّه)  ولازم الشيخ الحجار رحمه الله سيدي الشيخ إبراهيم الغلاييني مفتي قطنا لمدة أربعين يوما ملازمة كاملة وممن صحبه الشيخ في حلب وتأثر به سيدي فضيلة الشيخ أحمد عز الدين البيانوني والد زوجته رحمهم الله جميعا .

رحلته إلى الديار المقدسة في خدمة شيخه أبي النصر رحمهما الله:

إن أكثر مَن أحبه الشيخُ الحجار رحمه الله تعالى وأكثر من تعلق وتأثر به هو شيخُه أبو النصر رحمه الله، فقد أخذ عليه الطريقة النقشبندية العلية، وأخذ عنه تمسكه بالسنة المطهرة النبوية وما كان عليه الشيخ أبو النصر من أخلاق حميدة وصدق وإخلاص ومحبة، وكان يذكره دائماً ويذكر أحواله ومآثره وكرامته، وقد أكرمه الله تعالى بأن حظي بخدمته أثناء ذهابه إلى الحج، وكان الشيخ وقتها عمره بين السابعة عشر والثامنة عشر، ولما أراد الشيخ أبو النصر رحمه الله الذهاب إلى المدينة المنورة بعد فراغه من المناسك طلب من الشيخ الحجار رحمه الله أن يبقى في مكة مع أولاده، وقال له (تزور فيما بعد إن شاء الله)، فاستجاب الشيخ لرغبة شيخه وآثر رغبة شيخه على رغبته في الزيارة، وقد ذكر رحمه الله أن لعل من بركة هذه الاستجابة أن أكرمني الله بالمجاورة فيما بعد للحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم دائماً.

حياته ونشاطه الدعوي في حلب:

كان الشيخ رحمه الله في حلب يدعو إلى الله تعالى ليل نهار، وينهل الناس من حاله وقاله، فقد كان إماماً وخطيباً في مسجد من مساجد حلب اسمه (جامع الزكي)، في منطقة يقال لها (باب النصر)، وكان هذا المسجد زمن وجود الشيخ فيه، جامعة بكل ما للكلمة من معنى، ومركزاً للإصلاح، تدخل إليه فترى زواياه مليئة بالطلبة والمحبين والذاكرين، يأتيه الطلاب من كل الأنحاء ليتلقون عن الشيخ علمه وحاله.

كانت خطبه مليئة بالعلم والحكمة يكتظ الناس حوله لسماعها مع سعة المسجد وكبره كان يعطي في كل يوم دروساً في الفقه والنحو والتصوف وغيرها، فقد كان يحب رحمه الله طريقة الحلقات البسيطة، ويقول أنها خير سبيل للعلم والبيان , بوسع أي راغب أن يطلب من الشيخ درساً في أي نوع من علوم الشريعة أو الآلة ليلقى استجابة برحابة صدرٍ وبشاشة وجه، وممن قرأ عليه في جامع الزكي ولازمه فترة الشيخ الدكتور عبد الستار أبو غدة وقرأ عليه عديله الشيخ حامد غريب  والشيخ الدكتور زهير ناصر قرأ عليه ألفية ابن مالك في النحو والعهود المحمدية ولقد ساعد الطلاب على التفرغ والتعلم وجودُ الشيخ الدائم في المسجد، فقد كان المسجدُ بيتَه لا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان، يأتي من قبل الفجر بساعة على الأقل ويبقى إلى ما بعد العشاء، وقد يستريح أحياناً من بعد صلاة الإشراق إلى ما قبل صلاة الظهر بساعتين فقط، يأتيه ناسٌ من الهند وباكستان ومن كل الآفاق يأخذون إرشاداته وتوجيهاته ويتزودون بدعائه ونظراته قبل أن يرجعوا دعاةً إلى الله تعالى في بلادهم، وكان الشيخ يستقبلهم خير استقبال ويؤّمن لهم مبيتاً في غرف المسجد، ويقدم لهم الطعام بنفسه كان كثيراً ما يأخذ طلابه وتلاميذه معه بعد صلاة العشاء لتناول الفطور فهو يصوم من أول نشأته ولا يترك الصيام إلا في يومي العيد وأيام التشريق لحرمة صوم هذه الأيام ، قال لي رحمه الله: عندما كنت في عمرك لم أكن أفطر ليحثني على الصيام، وكان عمري قرابة 17 سنة.

بقي الشيخ في مسجد الزكي قرابة أربعين عاماً من العطاء والعلم والدعوة والإرشاد يقيم في كل يوم مجلساً للذكر والختم النقشبندي لا يفتر عن العلم والعبادة والذكر أبداً.

مجاورته للحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم:

ثم كتب الله تعالى للشيخ رحمه الله أن يزور بيته الحرام متوجهاً لأداء العمرة في سنة 1400 هجري ما يوافق 1980 م، ثم توجّه بعدها إلى المدينة المنورة على ساكنها الصلاة والسلام، وكان حبُّ المدينة يملأ شفاف قلبه الطاهر فبقي بها مهاجراً ومجاوراً وملازماً لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم دائم الاعتكاف فيه بالعلم والذكر والقرآن.

حياته اليومية في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإكمال دعوته:

تابع الشيخ محمد الحجار رحمه الله منهجه وحياته الدعوية وعبادته في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت رحلته مع الله في كل ليلة تبدأ من الساعة الواحدة بعد منتصف الليل على الأغلب وربما قبلها أحياناً، يتوضأ فيتعبد الله بأنواع العبادات من صلاة ودعاء ومناجاة إلى أن يكون قد بقي للفجر ساعة ونصف أو أكثر بقليل، فيأكل طعام السحور ثم يذهب إلى المسجد النبوي الشريف، فقد كان يحب أن يأذن الأذان الأول - الذي يكون عادة قبل الفجر بساعة - وهو في الحرم، ثم يبدأ في صلاته .. ولا تسل عن حسن صلاته وكمالها, لا يراه أحد وهو يصلي إلا وينتابه خشوع وذلة لله منعكسة عليه من خشوع الشيخ وحاله في صلاته, مُنَّكِس رأسه في هيئة خاشعة وعينٍ دامعة, يطيل الركوع والسجود.

كانت المنشفة التي يضعها في مكان سجوده قليلاً ما تجف من دموعه, يُسمَع أنينه وهو يناجي ربه، وتبقى هذه حاله إلى ما قبل الفجر بدقائق قليلة، ثم يوتر ويجلس في مكانه يسبح ويستغفر وقد نَكَّسَ رأسَهُ، ولا تسل عن النور الباهر الذي يتلألأُ في جبينه تلك اللحظات فضلاً عن النور الدائم الذي يعلو وجهَهُ، وكان هذا ملاحظاً من قبل الأشخاص الذين يعرفون الشيخ.

ثم يصلي الفجر ويجلس بعدها إلى طلوع الشمس في مكانه يقرأ سورة يس والدخان والواقعة وأحياناً الرحمن وق~، وله درسٌ من بعد ذلك إلى طلوع الشمس في الفقه إما بكتاب فتح العلام بشرح مرشد الأنام للجرداني، وهو من تحقيق الشيخ رحمه الله أو بغيره من كتب الفقه، ثم يصلي الإشراق ويذهب إلى البيت, وأحياناً يكون له درسٌ مع بعض الأحباب في منزله عندما يرجع، أو يذاكر بعض الأشياء لوحده، وقد يستريح بعض الشيء أحياناً، ولكنه ما يلبث أن يعود إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الظهر بساعتين تقريباً، ويدخل مباشرة إلى الروضة المطهرة ويصلي فيها الضحى، وكان يصليها ثمان ركعات، وكانت صلاته دائماً على نحو ما ذكرت من الخشوع والحال العظيم.

ثم يعود من الروضة إلى مكانه، وكان كثيراً ما يجلس قرب باب السلام، أو عند خوخة الصديق رضي الله تعالى عنه، أو الزاوية التي تحت الساعة العثمانية في أول التوسعة، ويشتغل إما بقراءة القرآن وإما بتحقيق أو تأليف كتاب يعمل به، ثم يصلي بعد أذان الظهر مباشرة سنة الزوال وهذه من السنن المهجورة، ويصلي بعدها سنة الظهر القبلية أربع ركعات، ويصلي الظهر مع الإمام، ثم يصلي ركعتان السنة البعدية، وكان له بين الظهر والعصر قراءة للقرآن مع من يكون موجوداً من تلامذته، وكان يحب سماع القرآن الكريم من الرجل الحسن الصوت، وكانت القراءة لا تخلو من تبيين لمعان دقيقة ونُكَتٍ لطيفة أو إعرابات مُوضِحَةٍ، وكان القارئ يجد من حال الشيخ في السماع ما يجعله في حالٍ من الخشوع هو ومن يستمع في المجلس، وقد يعطي أحياناً بين الظهر والعصر درساً لمن يطلب منه في النحو أو الفقه أو غيرها من العلوم.

كنا نقرأ عليه في هذا الوقت أحياناً في كتاب المنهاج القويم لابن حجر أو بعد العصر نقرأ النحو الواضح، فإن لم يأتي أحد لا يتوقف هو بل يستمر بالتحقيق والقراءة والذكر لوحده، وكان في كل يوم يدخل إلى الروضة بعد الظهر أيضاً إلا في أيام الزحام الشديد، ويقرأ في هذه الفترة دلائل الخيرات أو الحزب الأعظم، فقد كان في كل يوم يقرأهما وربما يختم الدلائل في يومين أحياناً أو أقل.

يصَّلي سنة العصر أربعاً، وبعد صلاة العصر يقرأ سورة يس والدخان والواقعة وتبارك وليلة الجمعة يقرأ الكهف وآل عمران وهود أيضاً، ثم يتوضأ ويعود ليجد من ينتظره من أجل درس أو إكمال تلاوةٍ للقرآن الكريم، وقبل المغرب بقليل كان كثيراً ما يضع الطيلسانة "الغترة" على رأسه ويتوجه إلى القبلة يذكر الذكر القلبيّ، وعند أذان المغرب يفطر على تمرات أو رطبات وماء زمزم، كان كل من حوله تأتيه همةٌ على العبادة، فيصومون مع الشيخ  ويفطرون معه، وكان يشجعهم على ذلك ويقدم لهم التمر وقت الفطور وشيء من البسكويت والحلوى، وبعد المغرب يصَّلي الشيخ السُنَّةَ ويصَّلي الأوابين ست ركعات، ثم يجلس ويقرأ شيئاً من القرآن، وله بين المغرب والعشاء درس أيضاً في الفقه غالباً، ويوم الجمعة وليلتها قد يقرأ درساً في التزكية مثل كتاب تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس لابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى، وقد كان حال الشيخ أثناء الدرس يغني اللبيبَ عن شرح ما يسمع,كثيراً ما يردد: القراءة سهلة أما التطبيق..!! ، وبعد أذان العشاء يصلي السنة ثم الفرض ويصلي بعده أربع ركعات، ويقرأ من الحزب الأعظم شيء أو من الدلائل، ثم يذهب إلى بيته وكثيراً ما كان يأخذنا معه لتناول الفطور ثم ينام الشيخ رحمه الله باكراً ليبدأ ليلة جديدة من العبادة وهكذا.

 

من مآثره:

كان رحمه الله يصلي في كل يوم جمعة صلاة التسابيح لا يتركها أبداً, متمسكاً بالسنة إلى أبعد الحدود، يستخدم السواك حتى لسجدة التلاوة وصلاة الجنازة، ومرة نسي السواك في مكان الوضوء في الحرم والمكان بعيد عن داخل الحرم، فلم يصلي حتى رجع وأتى بالسواك ثم صلى, يذكر قول سيدنا علي رضي الله عنه (لو خيروني بين المسجد والجنة لاخترت المسجد)، ويقول: لأنه على قدر المراقبة والحضور هنا تكون لذة المناجاة والمشاهدة هناك، لا يعجبه الترَّفُه والأخذَ من الدنيا بالكثير لا يحب كثرة الكلام والأكل والنوم يكاد نومه إن كثر أن يكون ثلاث ساعات في اليوم والليلة.

تواضعه:

يقول عن كتبه: (كتبي فضول أعمال وليست فضائل أعمال وأنا أستغفر الله من تأليفها) مع أنها من الكتب النادرة الهامة المفيدة.

جاءه أحد الناس ومدحه، ثم لما انصرف قال لأخ لي يأتي إليك أحدهم ويقول لك معك مليون ريال، وأنت تعرف أنك لا تملك في جيبك سوى ريالين فكيف تغتر بكلامه وتصدقه.

وفاءه وحبه لطالب العلم:

كان وفياً بشكل لم أره من أحد في حياتي، وكأن هذا الخلق وراثة من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لا يقدم له أحدٌ معروفاً إلا وكافأه أضعاف مضاعفة، يسأل دائماً عن أحوال إخوانه وتلامذته ومريديه ويهتم لهمومهم ويفرح لفرحهم.

كان من تلامذته أخي الشيخ جذّاع الصويلح مدير إذاعة القرآن الكريم في الكويت حالياً، أتى إلى الشيخ والتزم عنده في الحرم، فأحبه الشيخ واستضافه في منزله، وفي أول يوم قدّم الشيخ الحجار رحمه الله للشيخ جذّاع طعام الفطور بنفسه في الصباح، وأكل معه مع أنه لا يفطر أبداً، ولكن جبراً لخاطره، ثم في اليوم الثاني قدم له الفطور بنفسه وقال له: أنا صائم، وبعدها أصبح الشيخ جذّاع يصوم معه دائماً، وكان عمره آنذاك سبعة عشر سنة.

 وأخبرني أنه خرج مرةً إلى خارج الحرم واشترى عنباً، فلما أراد إدخاله إلى الحرم منعه الحرّاس، فحزن لأنه أحب أن يفطر مع الشيخ ويأكل العنب معه، فلما خرج الشيخ للوضوء بعد العصر رجع ومعه داخل السجادة كيس من العنب وأعطاه للشيخ جذّاع، وللشيخ جذّاع قصص كثيرة وجميلة مع الشيخ رحمه الله أتمنى لو يجمعها ويكتبها في يوم من الأيام.

ومن وفائه رحمه الله  ذكره لزوجته دائماً بالخير والثناء، وكانت قد توفيت قبله بثمانية سنوات تقريباً، ويقول أنه يدعو لها في أغلب سجداته، و هي حفيدة الشيخ عيسى البيانوني رحمه الله من الصالحات العابدات رحمها الله، وكان يزورها دائماً في البقيع، ومرة بعد أن زرتها بمعيته أعطاني عشرين ريال وقال لي: ادع لها, رحمهما الله تعالى.   

ومن صور وفائه وحبه لطلابه أني كنت أرى مع الشيخ نسخة من الحزب الأعظم من أول ما عرفت الشيخ كان يقرأ بها دائماً، وقبل وفاته بما يقارب السنة أحببت أن أبادل الشيخَ نُسخَتَهُ بنُسخةٍ معي جديدة لأحظى ببركته، فاستحيت وطلبت من أخي جمال الدين أن يكلم الشيخ وكنت أمامه، فلما كلّمه أطرق الشيخ رحمه الله وقال: هذا صحبته قديمة -أي الكتاب- لكن صحبتك أقدم أو قال أكبر, وأعطاني الكتاب رحمه الله تعالى .   

صورٌ مشرقة و همته في العبادة:

ذكر لي أخي جمال الدين حفظه الله أن الشيخ رحمه الله عندما ذهب للعمرة قبل وفاته بما يقارب الثماني سنوات- والتي كانت آخر عمرة له بعدها استقر في المدينة المنورة ولم يخرج منها - كان ينام في الساعة الحادية عشر تقريباً ويستيقظ في الواحدة ليلاً، ويبدأ عبادته وطوافه حتى أنه طاف في تلك الأربعين يوماً ما يقارب الألف طواف أو أكثر, كل طواف سبعة أشواط.

ومما أخبرني أخي الشيخ جذّاع حفظه الله أنه لما كان يدرس على الشيخ في الحرم، كان الحرم النبوي الشريف وقتها غير مكيف والجو حار جداً، فطلب أولاد الشيخ حفظهم الله من الشيخ رحمه الله تعالى أن يذهب إلى مسجد قباء بما أنه مكيف حرصاً على صحة الشيخ، فقبل الشيخ وصار يذهب إلى قباء من قبل الظهر إلى ما بعد العصر ثم يعود إلى المسجد النبوي الشريف، وما هي إلا بضعة أيام حتى أخبر سيدي الشيخُ الحجار رحمه الله تعالى أخي الشيخَ جذّاع بأنه سيعود ليجلس في الحرم حتى في وقت الظهيرة وقال: "لم نعد نشعر بلذة الصيام سنرجع للحرم "                                                                                                                                                                                           

نعم لقد كان يتلذذ بالعطش والجوع والتعب في سبيل الله تعالى ويربي من معه على ذلك في الحال قبل القال

حبه العظيم لله تعالى ولرسوله صلّى الله عليه وسلم:

لا يمكن للألسن أن تُعَّبِرَ ولا للأقلام أن تُسَّطِرَ عما يكنه الشيخ من حب لله تعالى ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم، لقد ملأ هذا الحب جنانه، بل تجسد في شخصه وصورته وكيانه، فقد كان متمثلاً بحاله للأبيات التي ذكرها في كتابه (الحب الخالد) عن سيدي العارف بالله تعالى أبي بكر الشبلي رحمه الله تعالى  ونفعنا به و البيتين هما:

      يا  أيها  السيد  الكريم                  حبك بين الحشا مقيم

     يا رافع النوم عن جفوني                 أنت  بما  مر  بي عليم

وهذه بعض أقوال الشيخ محمد الحجار رحمه الله تعالى من كتابه المذكور الذي هو من وحي الحال التي يعيشها يقول رحمه الله :

"إن المحب الصدوق لا يدع له فرصة للراحة والاستجمام شأن المحب الذي كابد الهجر وذاق ألم الفراق وبرّح به الشوق, دواؤه أن يلمح حبيبه ولو من بعيد وأن يسمع صوته ولو من وراء حجاب "

"إن الحب شعلة إذا التهبت أحرقت ما سواه"

"إذا دخل الشوق القلب أخرج ما فيه من الأغيار ومُليء بالمعارف والأنوار فحينئذٍ تخلص الأعمال وتزكو الأحوال ويقبل عليك ذو العظمة والجلال "

"فإذا كنت طالباً سعادة لقاء الله تعالى فانبذ الدنيا وراء ظهرك واستغرق العمر في الذكر الدائم والفكر اللازم ".  

إحيائه لسيَر السلف الصالح عملياً وحرصه على صلاة الجماعة:

في اليوم الذي توفيت به زوجته رحمهما الله تعالى طلب منه أحد إخوانه أن يذهب من الحرم ليكون مع أهله في التجهيز فقال: "وأترك صلاة الظهر لأكون في مصيبة فأصبح في مصيبتين".

وكان إذا أراد التوجه إلى مكة المكرمة لأداء العمرة لا يخرج من المدينة المنورة إلا بعد العشاء أو بعد الفجر لكي لا يترك صلاة الجماعة في أحد الحرمين الشريفين.     

وفي إحدى المرات أُخبر الشيخُ رحمه الله تعالى بأن أمير المدينة قد دعا بعض العلماء الموجودين في المدينة المنورة, وأنه أحد المدعويّن وكان الوقت المحدد للدعوة بعد المغرب فبكى الشيخ وقال كيف أترك صلاة العشاء في الحرم من أجل هذه الدعوة, فما لبث إلا قليلاً حتى أُخبِرَ بأن الدعوة قد أجلت إلى اليوم التالي بعد الظهر فكان الوقت مناسباً له فَسُّرَ بذلك رحمه الله تعالى ونفعنا به

                             كن مع الله          ترى الله معك

 

وفاته:

في مساء الأربعاء ليلة الخميس الموافق 6/محرم/1428هـ صلى الشيخ على عادته العشاء في الحرم، ثم بعد الصلاة كالعادة قرأ أوراده وذهب إلى منزله وأكل طعام الفطور، ثم اطلّع الشيخ على كتابه الأخير تحقيقاً وهو فتاوى الإمام النووي وسُرَّ به، ثم نام وكانت هذه الليلة هي ليلة وفاته رحمه الله، فقد أتى بعض أقاربه ليقدم السحور للشيخ كالعادة فاستغرب أن الغرفة لم تضأ بعد على غير العادة، ودخل ليجد الشيخ رحمه الله قد توفي وسواكه إلى جانبه رحمه الله رحمةً واسعة، صُلي عليه صلاة الظهر من يوم الخميس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفن في بقيع الغرقد إلى جانب أصحاب رسول الله وآل بيته صلى الله عليه وعليهم أجمعين.

وقد نعى نفسه قبل وفاته بيومين من غير أن يشعر أحد بذلك، فكان في درس مع بعض الإخوة فأعطى أحدهم بيتين من الشعر ليقرأه وفيهما:

لعمرك ما الرزية فقد مالٍ               ولا فرسٌ يموت ولا بعير

ولكن الرزية فقد حرٍّ                    يموت بموته خلقٌ كثير                                  

ثم عاد الشيخ يكرر موت العالِم موت العالَم.

لقد نال الشيخ رحمه الله تعالى مراده بالبقيع الشريف فقد كان يرجو الله أن يخصّه بذلك كما خصّ زوجته فهنيأً لهما بما أكرمهما الله سبحانه وتعالى به

طال شوقي لطيبة الطيبات              معدن المكرمات والبركات

 يا  نزولاً  بها  هنيئاً   فقد   فزتم   بها   في   حياتكم   و  الممات

من جنان إلى جنان  فأنتم                في كلا الحالتين في جنات

ما  غبطنا   الملوك  و لكن  غبطناكم  على  نيل  أحسن  الحالات

وبعد: فهذا غيضٌ من فيضِ مناقبِ سيدي ومولاي الشيخ محمد الحجار رحمه الله تعالى، والكلام عن الشيخ كلامٌ ذو شجون لا يمكننا أن نوفي بالقليل فضلاً عن الكثير من مآثره ولكن مالا يُدرَكُ جُلّهُ لا يُترَكُ كُلّهُ.   

نسأل الله تعالى أن يجمعنا بهم في جنات النعيم مع الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم، وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

كُتُبُهُ:

الحب الخالد – سمير المؤمنين –

النصيحة الموجزة – الصحوة القريبة-

 الإسلام وأركانه الأربعة – علميني يا أمي كيف أصلي –

 علميني يا أمي كيف أحج – المال مال الله –

تحقيق التبيان في آداب حملة القرآن للنووي –

تحقيق الفتاوى للإمام النووي – تحقيق المقاصد للإمام النووي –

تحقيق فتح العلام للإمام الجرداني – تحقيق بستان العارفين للإمام النووي

تحقيق بداية الهداية للإمام الغزالي .     

تراجم و أعلام
بحوث و دراسات
ركن المرأة
ركن الشباب
مقالات
مشاركات الزوار
معالم و أعيان
روابط مفيدة
   
 
خريطة الموقع اتصل بنا من نحن الرئيسية
 
تابعونا على الفيس بوك تابعونا على الفيس بوك