خريطة الموقع اتصل بنا من نحن الرئيسية
بحث
naseem al sham
تطبيق الإمام الشهيد البوطي
  .:.   الاحتفال بالمولد النبوي ليس بدعة ضلالة  .:.   الفرق بين الإنشاد والغناء | كلمة الإمام البوطي في أمسية فنية  .:.   خطبة الإمام الشهيد البوطي | لهذا ينبغي أن نشعر بالخجل  .:.   كلمة الإمام الشهيد البوطي في حوار الأديان  .:.   استفتاءات الناس للإمام الشهيد البوطي (اخراج جديد)  .:.   فتاوى مختارة من باب الحج  .:.   إعلان هام  .:.   يمكنكم إرسال مقال أو بحث علمي لنشره على الموقع بعد دراسته وذلك من خلال زاوية اتصل بنا  
خطب أ.د. محمد سعيد رمضان البوطي
عودة
04/02/2011

تاريخ الخطبة

‏‏‏‏الجمعة‏، 01‏ ربيع الأنور‏، 1432 الموافق ‏04‏/02‏/2011الجمعة

قصة الداء والدواء في تاريخ هذه الأمة

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله. خير نبي أرسله. أرسله الله إلى العالم كلِّهِ بشيراً ونذيراً. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى. أما بعد فيا عباد الله:

إنما صلح أمر هذه الأمة في الأمس الدابر بالحب، وإنما فسد أمرها فيما بعد أيضاً بالحب.

صلح أمرها بالأمس عندما توجهت بأفئدتها إلى محبة العزيز الباقي، ثم فسد أمرها عندما توجهت هذه الأمة بأفئدتها إلى الدنيء الفاني. هذه خلاصة لحقيقة يجب على كل عاقل أياً كان أن يدركها، وها أنا أضعكم أمام بعض التفصيل لهذه الحقيقة يا عباد الله.

عندما أكرم الله عز وجل هذه الأمة بخاتم الرسل والأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم  وأقبل أفراد هذه الأمة إليه يصغون إلى حديثه ويتأملون في الوحي المنزل عليه من عند الله وآمنوا بالله عز وجل إلهاً واحداً لا شريك له وأيقنوا أن القرآن كلام الله تنزل خطاباً من الله لعباده أقبلوا إلى كلام الله يصغون إليه ويتدبرونه، تأملوا في كلامه وهو يخاطبهم قائلاً:

(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) [ الحديد : 20]

أي الزراع.

(كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)  [الحديد : 20].

تأملوا في وصايا رسول الله وهو يعرفهم على قصة رحلتهم في هذه الحياة الدنيا ويعرفهم على حقيقتها، أصغَوا إليه وهو يقول فيما يرويه ابن ماجه وأحمد الحاكم من حديث عبد الله بن مسعود:

(مالي وللدنيا، وإنما أنا كراكب قال) أي نام وقت الظهيرة (تحت شجرة ثم تركها ومضى)

أصغوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمسك بيد عبد الله بن عمر يقول له: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).

عندئذٍ نفضوا أفئدتهم من محبة هذه الدنيا الفانية التي عرَّفهم الله على حقيقتها وغدت أفئدتهم فارغة مطهرة، ثم إنهم أصغوا إلى بيان الله عز وجل وهو يعرِّفُهُم على خالقهم الأجلّ، تعرفوا على الله عز وجل من خلال صفاته محسناً، عفوَّاً، غفوراً، كريماً، لطيفاً، رازقاً، خالقاً، بارئاً. تأملوا في النعم التي يغدقها الله عليهم من يمين وشمال دون إحصاء، تأملوا في رسائل الحب التي ترد إليهم من الله عز وجل ففاضت قلوبهم – بعد أن فرغت من محبة الأغيار – فاضت بمحبة الله، فاضت بمحبة العزيز الباقي ومن ثم لم يستطع الأعداء الذين أحاطوا بهذه الأمة من سائر الأطراف لم يستطيعوا أن يسكروها بسكر الشهوات والأهواء، لم يستطيعوا أن يسكروها وأن يرشوها بالذهب والليالي الحمراء أو الصفراء، لم يستطيعوا أن يجتذبوهم إلى الكمائن المرصودة لهم بأي خطة وبأي وسيلة من الوسائل. وهكذا أقبلت هذه الأمة ترد عدوان المعتدين من سائر الأطراف بسلاحين اثنين يا عباد الله، أما أولهما ففي اليد وهي العدة التي أمر الله عز وجل بإعدادها وأما الثانية – وهي السلاح الأعتى – فهي الحب الذي هيمن لله عز وجل على قلوبهم. لم يستطع الأعداء أن ينالوا منها أي منال، لم يستطع الأعداء أن يجدوا فيها نقطة ضعف ليستغلوها، وبوسعكم أن تجدوا مشاهد كثيرة لهذه الحقيقة التي أقولها لكم في كثير من المواقع لاسيما في موقعة القادسية.

ثم ما الذي تم بعد ذلك؟ خَلَفَ من بعد أولئك الناس خَلْفٌ هيمنت محبة الدنيا على قلوبهم، حُجِبوا عن الإصغاء إلى كلام الله على الرغم من أنه يُتْلَى بين ظهرانيهم، حُجِبُوا عن تعريف الله سبحانه وتعالى لحقيقة رحلتهم في هذه الحياة الدنيا وسيرهم إلى الله سبحانه وتعالى ومن ثم فقد حُمِّلُوا من حياتهم أثقالاً توانت منهم الحركة والنشاط وأحاط بهم الأعداء فعرفوا نقطة الضعف في كيانهم وشموا رائحة محبة الدنيا المهيمنة على قلوبهم ومن ثم غزوا أفئدتهم بهذه الوسيلة، غزوا أفئدتهم بالشهوات وبالأهواء ومن ثم كانت العاقبة التي تعلمون.

هذه حقيقة – يا عباد الله – ينبغي أن لا ننساها، ينبغي أن يتبينها كل عاقل أياً كانت نحلته وأياً كان مذهبه.

عباد الله: لابد من الفكر، ولا يستطيع أحد أن يبخس حقه، ولابد من الاعتماد على العقل، ولا يمكن لأحد أن يتجاهل نوره، ولكن فلتعلموا أن العقل نور يدل على الطريق ولكنه لا يُحَرِّك، العقل في كيان الإنسان يدل ولكنه لا يُحَرِّك، إنما الذي يحرك في كيانه الوقود، والوقود الذي يحرك الأمة إنما ذاك الذي يهيمن على القلب، إنما هو وقود الحب، فانظر إلى أي جهة يتجه هذا الوقود، هذا الحب، إلى الأعلى أم إلى الأدنى.

خَلَفَ من بعد أولئك الناس، خَلَفَ من بعد تلك الأمة خَلْفٌ تعلقت أفئدتهم بالدنيء الفاني وحُجِبُوا عن العزيز الباقي ألا وهو الله سبحانه وتعالى.

نعم، العقول مؤمنة، وما أكثر ما تتحدث عن الدلائل الكثيرة على وجود الله ووحدانيته ولكن هل سمعتم أن ضياء السيارة هو الذي يحركها؟ الوقود هو الذي كان ولا يزال يحرك. وقود القلب معدوم، الوقود إنما يتجه إلى محبة الأغيار.

عباد الله: وُجِدّتُ في مؤتمرات كثيرة إسلامية متنوعة، ولتمنيت لو أن وُجِدّتُ في مؤتمر يتحدث عن هذه الحقيقة، يتحدث عن قصة الداء والدواء في تاريخ هذه الأمة ولكني ما وَجَدّتُ ذلك. كل ما تتلاقى عليه الندوات والمؤتمرات إنما هو حديث عن الفكر وحركية الفكر والتسابق إلى الآراء المتنوعة والاجتهادات المختلفة، أما هذا القلب الذي ينبغي أن يُعَالَجَ فلتمنيت أن لو عُقِدَ مؤتمر لمعالجة هذا الأمر ولمَّا. إنني أتمنى أن تتلاقى أمتنا العربية والإسلامية في أصقاعها المختلفة على معالجة آلام الأفئدة، على معالجة الحقيقة التي يكمن فيها كل من الداء والدواء، أتمنى أن يوجَدَ مؤتمر يدور على محورٍ من تحليل كلام الله عز وجل القائل:

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف : 175-176].

أتأملتم في هذا الكلام، إنه ينطوي على القصة التي يتحدث عنها، مثل لرجل حقيقي ولأمرٍ واقعي:

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا)

آتاه الله العلوم وحشا عقله بالإدراكات الكثيرة

(فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ)

بهذه العلوم

(وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ)

ما الذي جعله يخلد إلى الأرض؟ ليس العقل، ليس العقل والفكر هو الذي جعله يخلد إلى زينة الأرض، إلى شهواتها وأهوائهما، إنما هو القلب الذي فاض بحب الفاني، إنما هو القلب الذي فاض بحب الأغيار، هذا هو معنى كلام الله:

(وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)

يحدثنا الله نبأ هذا الإنسان لكي نعلم متى يقع الإنسان في الكمائن المهلكة والمشقية ومتى يرقى الإنسان إلى صعيد السعادة القصوى.

يا ابن آدم، يقول الله عز وجل لنا من خلال هذا الذي نسمعه من خلال بيان الله عز وجل: اجعل الدنيا في علاقتك بها كعلاقة السيد بالخادم، اجعلها خادماً لك، كن في علاقتك بالدنيا كذاك الذي يرقى بقدميه على السُّلَّمِ ليصعد إلى أهدافه ومبتغياته، لا تجعل الدنيا محبوبك المهيمن على عرش فؤادك، اجعل فؤادك لربك، اجعل هواك لخالقك عندئذٍ ستُحَلُّ المشكلات كلها وسَتُحَلُّ المعضلات أجمع، هذه حقيقة أيها الإخوة بيَّنَهَا لنا كتاب الله وشرحها لنا تاريخنا الغابر السابق ويوضحها لنا تاريخنا الحاضر.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم فاستغفروه يغفر لكم.

عودة
تراجم و أعلام
بحوث و دراسات
ركن المرأة
ركن الشباب
مقالات
مشاركات الزوار
معالم و أعيان
روابط مفيدة
   
 
خريطة الموقع اتصل بنا من نحن الرئيسية
 
تابعونا على الفيس بوك تابعونا على الفيس بوك