خريطة الموقع اتصل بنا من نحن الرئيسية
بحث
naseem al sham
تطبيق الإمام الشهيد البوطي
  .:.   الصحابي "مدرك بن زياد الفزاري"  .:.   خطبة الإمام الشهيد البوطي | متى يدرك الإنسان حقيقة الدنيا؟!  .:.   محاضرة الإمام الشهيد البوطي | من أسباب الوصول للحج المبرور  .:.   رسالة إلى المراهقات  .:.   خطبة الإمام البوطي : لذا .. لن أذكركم بفريضة الحج  .:.   داود الأصبهاني وحقيقة المذهب الظاهري | بحث لمحدث الديار الشامية الشيخ نور الدين عتر  .:.   معالم وأعيان | جامع المزاز | للباحثة نبيلة القوصي  .:.   خير الخطائين التوابون  .:.   العارف بالله الشيخ شكري اللُّحفي رحمه الله تعالى  .:.   تزكية النفوس (هدف التصوف) | كلمة د. محمد توفيق رمضان البوطي في مؤتمر ماليزيا 2017  .:.   استفتاءات الناس للإمام الشهيد البوطي (اخراج جديد)  .:.   إعلان هام  .:.   يمكنكم إرسال مقال أو بحث علمي لنشره على الموقع بعد دراسته وذلك من خلال زاوية اتصل بنا  
أخبار
عودة
08/08/2017

 داود الأصبهاني

وحقيقة المذهب الظاهري

محدث الديار الشامية الشيخ نور الدين عتر

يلحظ المدقق في بحوث كثير من المشتغلين بكتابة بحوث إسلامية في عصرنا، وفي مجال الفقه والفتوى خاصة ممن يدعون التشبث بالسنة والاعتماد عليها، ويزعمون الاجتهاد في الدين والاستقلال عن أئمة الإسلام المعتمدين، وعن مناهجهم، يلاحظ توجه هؤلاء إلى الوقوف عند ظاهر النصوص، وإهمال التعمق في فقهها، لقصورهم العلمي، أو لجمودهم، أو لكونهم يودّون إيجاد تيار خاص بهم في صف المسلمين المتلائم المنسجم باتباع المذاهب المتبوعة.

ويلحظ المدقق لعمل هؤلاء أنّهم إن أظهروا أو لم يظهروا يتأثرون من وجه صريح أو غير صريح بمنهج الظاهرية، حتى وجدت بعض العوام، أو من هم في مستوى العوام قد عرف طريقه إلى بعض كتب الظاهرية، فبهت أمام أسلوبها، أو وجد في أسلوبها هذا وسيلة يتظاهر بها بالعلم، فمن أين جاء هذا المذهب، وما حقيقته؟ وما موقف العلماء منه؟ وما نتائجه العلمية؟

ذلك ما يجب على المسلم المثقف أن يكون على وعي تام به وبأبعاد هذه الخطة في حياة المسلمين، ومستقبلهم الحضاري.

ولنبدأ بالتعريف بمؤسس هذا المذهب، وهو داود بن علي الأصبهاني.

عصر داود الأصبهاني:

مع مطلع القرن الهجري، وهو عصر تدوين العلوم، وعصر نهضة الحضارة الإسلامية وعصر السنة الذهبي ظهر هذا العالم الذي شغل الناس، ولا يزال يشغلهم بمنهجه الذي انفرد به، والذي أصبح بعد ذلك مذهباً ينسب صاحبه إليه، ويقال: داود الظاهري.

اسمه ونسبه:

وادود الظاهري هو أبو سليمان داود بن علي بن خلف الكوفي ثم البغدادي الأصبهاني. نسب إلى الكوفة لولادته فيها، وإلى بغداد لنزوله بها واتخاذها داراً. ونسب إلى أصبهان لأنه من أصل أصبهاني[1]. ولكنه لم يشتهر بشيء من هذه النسب، إنما اشتهر ((بداود الظاهري)) ولقب بذلك، لأنه (أول من أظهر انتحال الظاهر، ونفى القياس ونحوه من الأحكام).[2]

مولده ونشأته:

ولد داود بن علي الظاهري سنة أربع ومائتين (204ه) حسبما أرّخ أكثر العلماء المحققين[3]، وكان مولده بالكوفة مهد مدرسة فقه أهل الرأي: من الحنفية وغيرهم، من أسرة أصبهانيّة، من قرية قرب أصبهان هي: ((قاشان)). وكانت أسرة عادية، لم يذكر لها شأن تتميز به، وليس هذا أمراً غريباً في تاريخ أعلام الإسلام، فقد كانت المساواة التي تجري في دماء المسلمين تتيح الفرصة لكل ذي موهبة وقدرة، أن يبلغ المرتبة التي تبلغه إياها موهبته. وكانت العراق  والكوفة مزدهرة بالعلوم لا سيما الفقه، مما أتاح له أن يرضع لبان العلم من صباه. وكانت حلق العلم مفتوحة للراغبين، والمجتمع مجتمع علم، لا يأبه بجاهل.

رحلته في طلب العلم وشيوخه:

تلقى داود بن علي العلم عن علماء من كبار أهل العلم في عصره، ورحل في سبيل ذلك إلى عدد من البلدان من عواصم العلم آنذاك في البصرة وبغداد ونيسابور، فتلقى عن سليمان بن حرب المحدث الحافظ، وكان أخذ داود عنه في صباه، لأن وفاة سليمان كانت سنة أربع وعشرين ومائة بالبصرة وكان مقيماً بها وعن عبد الله بن مسلمة القعنبي (221ه) من أعلام الحديث والفقه من شيوخ البخاري ومسلم وهو بصري أيضاً ومسددين مسرهد البصري (228ه) وهو أول من دون المسند بالبصرة.

ورحل داود إلى بغداد ولقي فيها عدداً من العلماء، لكن تكوينه الفقهي كان على إمام فقيه ومحدث وهو أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي (240) (أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً، وورعاً وفضلاً، وديانة وخيراً ، ممن صنف الكتب وفرع على السنن), كان أبو ثور أولاً يتفقه بالرأي حتى قدم الشافعي بغداد، فاختلف إليه ورجع عن مذهبه) ثم إنه استقل بنفسه، وأحدث مذهباً خاصاً به جرى فيه على أصول الشافعي، وخالفه في أشياء حتى صار فقيهاً مستقلاً.[4] وقد أخذ داود عن أبي ثور الفقه الشافعي وتعصب له حتى إنه ألف كتاباً في مناقب الشافعي.[5]

بعد هذا التحصيل للحديث والفقه –والعربية- رحل على نيسابور، وتلقى فيها عن الإمام المحدث الحافظ إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (238) المعروف بــ (ابن راهويه) صاحب المسند، المعتلي بانتقائه على المسانيد، كما أثنى عليه العلماء وكان إسحاق صنو الإمام أحمد بن حنبل في علمه الحديث، وتفقه فيه، وفي هديه وسمته، وهو من أهل الاجتهاد المستقل[6]. فكانت مناسبة حاسمة في حياة داود بن علي أن تتلمذ على إسحاق وأخذ عنه، وكان لذلك أثره الكبير في تكوينه العلمي وتوجهه إلى الاستقلال بالاجتهاد، وقد بدرت عنه في نيسابور بوادر ينكرها أهل الحدي، لقوله بخلق القرآن، مما أدى على صدورهم عنه، حتى إنه لما ورد بغداد بعد عودته من نيسابور حاول الاجتماع بالإمام أحمد بن حنبل، فأبى أن يدخله عليه، وكان من قوله: (زعم أن القرآن مخلوق فلا يقربني)[7] وكأن الإمام أحمد بن حنبل ينظر إلى الغيب، فقد أحدث داود بعد عودته إلى بغداد القول بنفي القياس، مما نفر عنه الناس، وأثار انتقاد العلماء وردودهم. وإن كان هذا لم يمنع أخذ الناس عنه، وحضور العلماء مجلسه في مجتمع علمي موضوعي، حتى قيل: كان في مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر.[8]

وهكذا ظل يعمل على نشر مذهبه، وآرائه المستقلة، ويؤلف فيها حتى وافته المنية في بغداد سنة سبعين ومائتين (270ه) رحمه الله تعالى.

لكن لم يصل إلينا شيء من كتب داود بن علي. وقد ذكروا له جملة كبيرة من الكتب، يحمل كل واحد منها عنوان موضوع من موضوعات الفقه، مثل (كتاب الطهارة) (كتاب الحيض).. والظاهر أنها أقسام من كتاب واحد، هو كتابه (الإيضاح). ذكروا أنه في أربعة آلاف ورقة. وهذا يدل على أنه كتب الفقه كله على وفق مذهبه الظاهري.

ثناء العلماء عليه:

كان داود الظاهري صاحب استقامة ودين، وحسن خلق، ومن أهل الزهد والعبادة، وإنما نفر منه أهل عصره لشذوذ منهجه العملي وجموده، الذي أداه إليه مذهبه الظاهري ونفيه للقياس، ولم يكن ذلك عن انحراف أو قلة دين كما يتوهم كثيرون من السطحيين ف زمننا، أنه متى نقض على عالم فكره وجب الشك في تدينه لما يرى من حال الشاذين في زمننا هذا. وما كان السلف ليسمعوا منه، ولا ليذكروه في عداد أهلا العلم لو كان من تلك الزمرة في شيء لأنه لا يُعد الرجل من العلم في شيء إذا اختلت استقامة دينه وتقواه.

قال السيوطي: (كان بصيراً بالحديث صحيحه وسقيمه).

وقال الحافظ أبو بكر الخطيب[9]: (كان إماماً ورعاً، زاهداً ناسكاً، وفي كتبه حديث كثير، لكن الرواية عنه عزيزة جداً).

وكان من زهده رفضه التمتع بالدنيا، وإيثاره خشونة العيش، حتى كان لا يقبل ما يرده من الهدايا، ولو من أصدقائه أو جيرانه.

وشهد له أبو زرعة بجودة الحجاج فقال: (لو اقتصر على ما يقتصر عليه أهل العلم لظننت أنه يكمد أهل البدع لما عنده من البيان والآلة ولكنه تعدى ..) يعني بخوضه في قضية خلق القرآن.

وقال القاضي المحاملي: رأيت داود يصلي، فما رأيت مسلماً يشبهه في حسن تواضعه.[10]

مذهبه العملي:     

عرف داود بن علي الأصبهاني بالظاهري، لأنه كان أول من أظهر انتحال الظاهر وأبطل القياس الصحيح، ولم نجد فيما وقفنا عليه تعليلاً لسلوكه هذا النهج مع أنه نشأ في الكوفة مهد مدرسة الرأي.

لكن الذي يبدو أنه كانت لديه استجابات لردود فعل شديدة، ولعل ما ظهر من تطرف بعض أهل الرأي من غير المذاهب المعتمدة، وإيغال المعتزلة في الاحتكام إلى العقل وإخضاع النصوص لعقولهم دفعه لهذا الاتجاه المضاد، وكان فيه شجاعة وجرأة، حتى كان ربما يهجم على بعض القضايا من غير روية، وساعد على ذلك عجمة أصله الأصبهاني، وما في اللغات غير العربية من ضيق عن أساليب العربية في المجازات والاستعارات...

قال الحسين بن إسماعيل المحاملي كان داود جاهلاً بالكلام، قال وراق داود: قال داود: أما الذي في اللوح المحفوظ وبين الذي في المصاحف... )[11]       

ولعله من هان لم يقبل الإمام أحمد بن حنبل دخوله عليه:

قال الخطيب البغدادي[12]: (وقد كان أراد الدخول على الإمام أحمد، فمنعه، وقال: كتب إلي محمد بن يحيى الذهلي في أمره، وأنه زعم أن القرآن محدث، فلا يقربني. فقيل: يا أبا عبد الله، إنه ينتفي من هذا وينكره! فقال: محمد بن يحيى أصدق منه).

والأساس الذي يقوم عليه مذهب داود الفقهي في استنباط الأحكام؛ هو إبطال الاجتهاد بالرأي، والاقتصار على النص والإجماع، وفي هذا يقول:

(ولا يجوز أن يحرم النبي صلى الله عليه وسلم، فيحرم محرم غير ما حرَّم لأنه يُشبِهه، إلا أن يوقفنا النبي صلى الله عليه وسلم على علة من أجلها وقع التحريم، مثل أن يقول: حرمت الحنطة بالحنطة لأنها مكيلة، واغسل هذا الثوب لأن فيه دماء، أو اقتل هذا لأنه أسود، فيعلم بهذا أن الذي أوجب الحكم من أجله هو ما وقف عليه، وما جاوز ذلك فالتعبد غيه ظاهر، وما جاوز ذلك فمسكوت عنه داخل في حكم ما عفي عنه).

ويصرح بإبطال القياس فيقول: (والحكم بالقياس لا يجب، والقول بالاستحسان لا يجوز).[13]

وهكذا فتح باب الإباحة في الأمور المسكوت عنها علاجاً لمشكلة معروفة حكمها، بدلاً من الاجتهاد بالرأي والقياس، مهما كان شبه المسكوت عنه قوياً وجوهرياً مع المنصوص عليه في منبع الحكم الشرعي؟!!

وقد صرح بحصر مصادر التشريع في الأصول الثلاثة فقال:

(إن أصول الكتاب والسنة والإجماع فقط) ومنع ان يكون القياس أصلاً من الأصول، وقال: (أول من قاس إبليس)[14]

لكنه على الرغم من هذا فقد اضطر للأخذ بالقياس في بعض المواضع فعمل به، وسماه دليلاً، لكونه منصوص العلة، فراراً من استعمال كلمة (قياس)!

واستدل على صحة مذهبه في الاقتصار على الكتاب والسنة والإجماع بالأدلة الدالة على شمول القرآن، كقوله تعالى: [مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ] [سورة الأنعام: الآية 33] وقوله عز وجل: [وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ] [سورة الأنعام: الآية 59] وقال تعالى: [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ] [سورة النحل: الآية 39] وهذه الآية أقوى ما استدلوا به ولوضوح إرادة معنى القرآن من قوله تعالى: (الْكِتَابَ).

وجه الاستدلال عنده: أن هذه الآيات تدل على أن الكتاب وهو القرآن قد اشتمل على كل شيء، وإذن فلا حاجة للقياس، فلا يُحتج به، لأن القياس إنما يكون حجة إذا احتجنا إليه، وليس ثمة حاجة إليه، كما علمنا من الآيات، فلا يجوز العمل بالقياس.

وادَّعى داود أيضاً أن الاجتهاد بالرأي هو قول على الله تعالى بغير علم، وأخذ بالظنون في الشرع، وكلاهما حرام لقوله تعالى: [قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ] [سورة الأعراف: الآية 33]

وقال تعالى: [إن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا] [سورة النجم: الآية 28]

واستدل على إباحة كل ما لم يُنَص على تحريمه بقوله تعالى: [خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا] [سورة البقرة: الآية 29]

 

 

 

 

أدلة حجية القياس:

 وقد وجد أئمة الإسلام وفقهاء الشريعة بتتبع النصوص الشرعية أن الأحكام الشرعية ترد كثير من الأحيان مرتبطة بأهداف وحكم تتعلق بتحقيق مصالح الأنام، ورعاية شؤون الناس الدينية والدنيوية، فَعُرف من ذلك أن الأحكام غير التعبدية معللة بأوصاف منضبطة ترجع إلى مصالح الأمة، فتثبت بذلك حجية القياس، وتضافرت الأدلة على حجيته، مثل قوله تعالى: [فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ] [سورة الحشر: الآية 2]

فإن الاعتبار في الآية هو ردُّ الشيء إلى نظيره، بان يُحكم عليه بحكمه، وهو نص عام يشمل القياس الشرعي الذي يجري في الأحكام الشرعية والقياس العقلي والاتعاظ، وقد جاء هذا النص مرتباً على سبب خاص وهو ما حصل لبني النضير لما طغوا ونقضوا عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم خذ لهم الله تعالى. وسلط علفيهم المسلمين فخربوا بيوتهم وأجلوهم عن بلادهم، فنزلت الآية تعلن للناس مصير هؤلاء القوم ليعلموا أن كل من سلك طريقهم كانت عاقبته عاقبتهم، وجاء النص عاماً غير خاص بقضية سبب النزول، فدل على عموم إلحاقِ الشيء بنظيره والمثل بمثيله، وذلك هو القياس.[15]

ويقول ابن قدامة في دلالة الآية:[16]

وقد استدل على إثبات القياس بقوله تعالى: [فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ] وحقيقة الاعتبار مقايسة الشيء بغيره، كما يقال: اعتبر الدينار بالصنجة. وهذا هو القياس.

فإن قيل: المراد به الاعتبار بحال من عصى امر الله وخالف رسله لينزجر، وذلك لا يحسن أن يصرح بالقياس ها هنا، فيقول: يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فألحقوا الفروع بالأصول لتعرف الأحكام؟

قلنا: اللفظ عام، وإنما لم يحسن التصريح بالقياس ها هنا لأنه يخرج عن عمومه المذكور في الآية، إذ ليس حالنا فرعاً لحالهم) انتهى.

وكذا وردت نصوص كثيرة من الشارع تصرح بربط الحكم بعلته، وذلك في السنة كثير، جرى فيه التعليل على طريق الفقهاء أهل القياس، نذكر من ذلك:

v    حديث (أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن اشتراء التمر بالرطب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم. فنهى عن ذلك) أخرجه مالك وأصحاب السنن والحاكم.[17]

v  وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغلسها ثلاثاً فغنه لا يدري أين باتت يده) متفق عليه[18]

v  وقوله لعدي بن حاتم في بيان أحكام الصيد: (وإن وجدت مع كلبك كلباً غيره وقد قتل فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله) متفق عليه[19]

وهذه النصوص وأمثالها كثير قد وقع فيها التعليل للحكم من النبي صلة الله عليه وسلم نفسه، والتعليل موجب لاتباع العلة أينما كانت، وذلك هو القياس، لأنا الأصل في التعليل أن يكون لتعدية الحكم (أي نقله) إلى المواضع الأخرى التي توجد فيها العلة، وإثبات الحكم في تلك المواضع.[20]

بل إننا نلحظ في هذه الأحاديث إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم أمته على كيفية ربط الأحكام بعللها، ليستخرجوا حكم ما لم ينص عل علته من الأحكام بالطرق الاستنباطية العملية التي تعرف بها علة الحكم في الأمر المنصوص، فيعرف بذلك حكم غير المنصوص.

نقد نُفاةِ القياس

كذلك نظر العلماء في مذهب الظاهرية نظرة علمية دقيقة، فوجدوه ضعيفاً من حيث أدلته وبراهينه، كما أنه ضعيف في نتائجه وتطبيقاته.

أولاُ – نقد مذهب الظاهرية في أدلته:

فقد جمد المذهب على عبارات في نصوص استشهد بها في غير مقاصدها، بعيداً عن حقائق معانيها، مع ان الآيات القرآنية التي أوردناها لهم هي أصرح أدلتهم وأقواها بالنسبة لغيرها.

 

Ø   ففي قوله تعالى: [مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ] وكذا في قوله تعالى: [وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ] ليس المراد بالكتاب القرآن. وإنما المراد به هنا علم الله أو اللوح المحفوظ، كما هو واضح من سياق الآيتين.

ولو فرضنا وسلمنا أن المراد بالكتاب هنا القرآن الكريم فتكون الآيتان بمعنى قوله تعالى: [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ]

فالجواب على الاستدلال بالآيات من أوجه:

-       منها أن القرآن الكريم لا يشمل على جميع الأحكام الشرعية بلا واسطة، ودعوى اشتماله خلاف الواقع، فإن كثيراً من الأحكام قد أخذ من السنة أو الإجماع، ومعنى الآية: [تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ] أي بنفسه أو بواسطة ما أمر باتباعه، وقد أمر باتباع السنة أو الإجماع، وأمر باتباع القياس، فقد دل القرآن على وجوب العمل بالقياس كما أوضحناه في قوله تعالى: [فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ] وعلى هذا تكون الآيات التي استدلوا بها موجبة للعمل بالقياس وليست نافية له كما توهم الظاهريون بنظرهم السطحي الجامد، كما أنها أيضاً ليست نافية للعمل بالسنة أيضاً.

-       ويجاب عن استدلالهم بالآيات أيضاً بأن العمل بالقياس عمل بالقرآن من حيث المعنى، وذلك لنا نعلم أن للأحكام علة ترتبط بها، فالخمر قد حرمت لأنها تسكر، أي تغطي العقل، فحيثما وجد هذا المعنى في أي مادة كانت تلك المادة حراماً مثل المخدرات في عصرنا، فتحريمها عمل بمعنى القرآن، إن لم يكن لها ذكر في لفظ القرآن الكريم، ومن توقف عن تحريمها لعدم ورود ذكرها في نص القرآن فليس عالماً، فضلاً عن أن يسمى فقيهاً.

وهكذا يكون العمل بالقياس عملاً بالقرآن من حيث معناه، وتكون أحكام الفرع المقيس والمسألة المسكوت عنها ثابتة بالقرآن الكريم ما دامت مشتملة على علة الحكم المنصوص عليه.

-       وأما استدلال الظاهرية بقوله تعالى: [وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ] وقوله: [إنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا] ونحوهما من آيات القرآن الكريم فقد أجاب العلماء عنها بأنها ليست واردة في موضوعنا الذي هو القياس وإبطال العمل به لكونه ظنياً، بل هي واردة في النهي عن اتباع الظن في العقائد، فإن العقائد لا تبنى على الظن، بل تقوم على علم اليقين، أما الأحكام الشرعية العملية فإنها تثبت بالأدلة الظنية باتفاق العلماء، والدليل عليه أننا مكلفون بالعمل فيها بأخبار الآحاد الصحاح والحسان، وهي تفيد الظن لا القطع، وبإثبات الحقوق في الدعاوي والخصومات بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين ونحو ذلك، وهذه لا تفيد إلا الظن، هكذا أجابوا.

-       وفي رأينا أننا إذا نظرنا إلى مواقع استعمال القرآن الكريم لتعبير (علم) و (ظن) ونظرنا ذمَّ القرآن لاتباع الظن، فإننا نجد ما يلي:

1-             أن الظن الذي ذمه القرآن هو ما يقع في الفكر أو يسبق إلى الفهم من غير دليل، بل بالحدس أو التخمين، وما أشبه ذلك، وهذا نوع من الوهم وليس نوعاص من العلم، فذم الله تعالى اتباع هذا الظن بهذا المعنى.

تراجم و أعلام
بحوث و دراسات
ركن المرأة
ركن الشباب
مقالات
مشاركات الزوار
معالم و أعيان
روابط مفيدة
   
 
خريطة الموقع اتصل بنا من نحن الرئيسية
 
تابعونا على الفيس بوك تابعونا على الفيس بوك